الفصل (29) أصداء ماض مدفون
### الفصل 29: أصداء ماضٍ مدفون
"ستصل قريباً،" قالها بصوتٍ خاوٍ من أي نبرة، دون أن يلتفت نحوها ولو لمرة.
ساد صمت ثقيل بينهما.
سألت أوليفيا: "هل ترغب في أن أستقبلها أنا؟"
"لا. افعلي ما يحلو لكِ. ظننتُ فقط أنه يجب عليكِ المعرفة".
ابتعدت يداه عن فستانها، ومعها تلاشت أي حرارة متبقية. التفتت أوليفيا لمواجهته بالكامل، باحثة في ملامحه عن انعكاس للعاصفة التي بداخلها. كان الرعب الذي يلوى معدتها مألوفاً؛ هو نفس الضيق الذي كانت تشعر به دائماً أمام والدتها.. صوت الفشل الخافت يهمس في ظلال عقلها.
لكنها لن تظهر ذلك. ليس الآن، وليس أمامه.
قالت ببرود مصطنع: "إذن لنذهب إلى قاعة الاستقبال. إنها مجرد عامية الآن، لا داعي لأن نتصرف كلجنة ترحيب؛ هي من يجب أن تأتي لتحيتنا".
أظلمت نظرة **ماتياس**، وازداد برود تعابيره. لم ينطق بكلمة، لكنها لاحظت التوتر الحاد في فكه وهو يلتفت مبتعداً. سارا معاً نحو القاعة الكبرى، وخطواتهما تدق كعد تنازلي.
#### العتبة
عند البوابات الحديدية للقصر، توقفت العربة. ترجل **ليون** أولاً، تبعته فتاة صغيرة تشبهه بشكل مذهل. ثم، أخيراً، ظهرت هي.
**تاليا.**
كان وجهها قناعاً خالياً من التعبير، وكأنه منحوت من أرقى أنواع الرخام. وقفت ساكنة تماماً، ونظراتها البعيدة تمسح أرجاء القصر الشاهق. ذات يوم، كانت هذه الجدران ملاذها، المكان الذي ضحكت وأحبت وعاشت فيه. الآن، تعود إليه كفرد غريب.. كمجرد ضيفة.
قطع شرودها صوت ناعم ولكنه حازم: "أمي، أعتقد أنه يجب أن ندخل الآن".
التفتت تاليا لابنتها، ولأول مرة، لمست ابتسامة باهتة شفتيها. كانت ابتسامة دافئة، لكن خلفها شيء هش كالزجاج القابل للتحطم.
تمتمت: "أنا آسفة يا عزيزتي، يبدو أنني شردت للحظة".
بأنفاس ثقيلة، خطت للأمام نحو أبواب ماضٍ ظنت أنه دُفن للأبد.
في غرفة الاستقبال الكبرى، كان الصمت خانقاً. جلس ماتياس بوجه منحوت من رخام بارد، خالٍ تماماً من أي دفء. كانت أوليفيا هي من تجرأت على كسر هذا السكون.
قالت بنبرة ممزوجة بالسخرية: "دوق لوسيرون، أرجوك، خفف من قناعك المتجهم هذا. أنت لا تنتظر ملك الموت؛ حاول إرخاء ملامحك ولو للحظة".
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة: "أفتقر لموهبتكِ الرائعة في النفاق يا أوليفيا. لا أستطيع تصنيع المودة حيث لا توجد. اتركيني وشأني".
ردت أوليفيا بضيق: "هل تبحث عن شجار الآن؟"
أجاب ببرود: "لا، شكراً. لدي ما يكفي من الأعباء في روحي دون إضافة مزاجكِ المتقلب إليها".
قاطع حوارهما الحاد دخول **ليلى**. لانت ملامح أوليفيا فوراً: "أوه ليلى، وصلتِ أخيراً".
همست ليلى بصوت بالكاد يُسمع: "نعم، يا صاحبة العظمة". وقفت عند العتبة، وجسدها يرتجف من القلق. وعندما فُتحت الأبواب البلوطية الضخمة مرة أخرى، انكمشت ليلى في صراع بين الرغبة في الهروب وواجب البقاء.
ثم ظهرت **هي**.
امرأة بشعر أحمر مذهل، وقفت بظهر مستقيم كالفولاذ. كانت حركاتها مدروسة، مشبعة بكرامة هادئة لم تستطع ثيابها البالية إخفاءها. النبل كان محفوراً في نخاعها. تبعتها ابنتها، بملامح صامتة وحضور يشبه الصبيان قليلاً.
ما إن التقت نظرات أوليفيا بالأم، حتى انحنت القادمتان ببراعة وتدريب قديم: "تحياتنا لدوق ودوقة لوسيرون".
أومأت أوليفيا بصمت قبل أن تشير لهما بالجلوس. وبينما جلس الآخرون، ظلت ليلى متصلبة، ورأسها منحنٍ لأسفل، غير قادرة—أو ربما غير راغبة—في لقاء عيني والدتها الثاقبتين.
لم يغب هذا عن ملاحظة أوليفيا، التي رأت كيف تتجنب تاليا النظر نحو ماتياس بشكل مدروس. أما ماتياس، فلم يظهر أي رغبة في الترحيب بها؛ بل كان يراقبها بنظرة مفترسة. هذه هي المرأة التي تخلت عنه، والتي لم تسأل أبداً عن وجوده. بحث في وجهها وشعرها عن جزء منه، لكنه لم يجد شيئاً. تلاشت آخر خيوط القرابة—فكرة أنها والدته—في اللحظة التي رآها فيها. كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها وجهها حياً؛ فقد تأكد والده من إحراق كل ذكرى لها عندما تزوج **إلويز**.
رغم تجنبها لنظراته، شعرت تاليا بثقل وجوده. ترددت فكرة واحدة في ذهنها: *إنه الصورة الحية لوالده.*
كان التوتر بينهما كفجوة غير مرئية لا يجرؤ أحد على عبورها.
كسرت أوليفيا الصمت مجدداً، موجهة حديثها للمرأة: "أهلاً بكِ السيدة هاميل. أنا الدوقة، كما تعلمين".
نظرت المرأة إليها بنظرة باردة كالصقيع، وتمتمت بازدراء خفيف: "آه.. أنتِ ابنة **ثارون**، أليس كذلك؟"
اشتعل الغضب في ملامح أوليفيا. لقد عرفت نفسها بلقبها، كربة لهذا المنزل، لكن تاليا اختارت عمداً تعريفها باسم والدها فقط.
قالت أوليفيا بنبرة حادة: "نعم، أنا هي. على أي حال، أفترض أنكِ مطلعة بالفعل على... الأحداث غير السارة الأخيرة؟"
كان رد تاليا مقتضباً: "بالفعل. قرأت الصحف، وزودنا السيد الشاب ليون بالبقية خلال رحلتنا. لدي فهم كافٍ للأمر".
نهض ماتياس فجأة، وكأنه وصل لنهاية صبره، وقال بنبرة لا تقبل الجدل: "ليلى، خذي والدتكِ وإيميليا إلى غرفتهما ليرتاحا. لدي أمور تتطلب انتباهي الفوري. اعذروني، سنكمل هذا النقاش لاحقاً".
تبعت أوليفيا ماتياس إلى الخارج وأمسكت بيده قبل أن يبتعد، وقدمت له زجاجة صغيرة.
سألها بشك: "ما هذا؟"
"قبل أن تمارس غطرستك المعتادة؛ هذا ليس سماً. إنه مجرد مهدئ".
سخر ماتياس: "هل تبيعين لي المخدرات الآن يا أوليفيا؟"
أجابت: "إنه ليس قوياً، لكنه أكثر كرامة وفعالية من سجائرك. إذا كنت لا تريده، سأحتفظ به لنفسي".
أمسك بيدها قبل أن تسحبها: "أريده".
**خلف الأبواب المغلقة**
في الغرفة التي تركوها، تحطم الصمت بصوت صفعة قوية دوت في الأرجاء.
انهارت ليلى على الأرض، وكتفاها يرتجفان بالبكاء: "أمي، أرجوكِ... سامحيني! لم أكن أقصد حدوث أي من هذا!".
لكن وجه تاليا ظل كالقناع الحجري.
قالت بصوت خاوٍ من العاطفة: "لقد مرغتِ اسمي في الوحل. والآن عليّ أن أهين كرامتي وأواجه **ابنة ذلك الوغد ثارون** فقط لأنتشلكِ من الحفرة التي حفرتها لنفسكِ. قضيتُ عمراً في تربيتكِ على المبادئ، والآن يجرني دم والدكِ اللعين إلى أصولكِ الوضيعة".
اندفعت إيميليا لتساعد أختها: "أمي، أنتِ قاسية جداً!".
تنهدت تاليا بنفاد صبر: "إيميليا، لا تضيعي أنفاسكِ في الدفاع عن حماقاتها. لقد بنت حياتها كلها على شيء تافه كالحب. كم مرة حذرتكما؟ لا يوجد شيء اسمه حب في هذه الحياة".
استقامت ليلى بيدين مرتجفتين، وسألت بتردد: "أمي.. إلى أين أنتِ ذاهبة؟"
لم تلتفت تاليا، وكان صوتها قاطعاً:
"لأقابل شخصاً كان يجب أن أواجهه منذ زمن بعيد جداً".
#

تعليقات
إرسال تعليق