الفصل (29) A Very Shocking And Immoral Incident,



وقفت "كريستين" تحدق في انعكاس صورتها مرتدية الفستان في المرآة.

كان فستان "سيسيليا" يناسبها تماماً وكأنه صُنع لأجلها. غادرت الخادمات اللواتي ساعدنها في ارتدائه أولاً لأن قاعة المأدبة كانت تعاني من نقص في العمالة، وبقيت "كريستين" بمفردها، فأخذت نفساً عميقاً وتطلعت حولها في غرفة تبديل الملابس.

كانت الفساتين المعلقة في الخزانة من علامة "أمارين" التجارية، وهي علامة لم تجرؤ يوماً على شرائها. كان ملمس القماش ناعماً جداً على بشرتها لدرجة تعجز الكلمات عن وصفه.

في هذه الغرفة التي تفوق مساحتها حجم بنسيون (بيت ضيافة) رخيص، كانت الفساتين الفاخرة تصطف في انتظار لمسة صاحبتها، بينما تلمع المجوهرات والحلي داخل الخزائن الزجاجية، وتبرق الحقائب المصنوعة من جلد العجل اللامع.

’إنها هدية.‘

كانت "سيسيليا ديموس" شخصاً يملك الكثير ليمنحه للآخرين بكل هذه السهولة.

تناهى إلى مسامعها صوت التصفيق القادم من الطابق السفلي؛ لقد بدأ المزاد الخيري. غرقت "كريستين" في أفكارها لدرجة جعلتها تفقد الإحساس بالوقت، فتفقدت فستانها للتأكد من خلوه من التجاعيد، ثم سحبت قفازاتها المصنوعة من الدانتيل الأسود لتستقر بإحكام فوق كوعيها.

كانت تأمل ألا يحضر ولي العهد، لكن العالم لم يكن لطيفاً معها بالشكل الكافي.

وإذا لم يكن هناك مفر من مواجهته، فعليها على الأقل أن تتحلى بالشجاعة وتتخلى عن ترددها.

رسمت "كريستين" ملامح الجدية على وجهها، ورفعت كتفيها مستقيمة الظهر، ثم أدارت مقبض الباب. صعد صوت المضيف عبر السلالم ليمر متسللاً عبر الممر الطويل مثل الرياح.

أسرعت "كريستين" خطى خطواتها، رافعة طرف فستانها قليلاً وهو يلتف حول حذائها.

ما إن وصلت إلى الطابق الأول وانعطفت نحو الممر الشرقي، حتى سمعت صوتاً غريباً. فتوقفت في مكانها وتطلعت بنظراتها نحو عتمة الممر الغربي.

لم يكن الأمر سوى هلاوس.

أدخل "آرثر" يده المرتجفة قليلاً داخل سترته.

"......!"

أخذ يتحسس جيوبه الفارغة، ليتذكر فجأة أنه غيّر سترة البدلة الرسمية داخل العربة لأن أكمامها تلطخت بالدماء. وبما أن المهدئات كانت في تلك الملابس التي تركها، استسلم "آرثر" لضعفه وجلس على المقعد، مسنداً جسده المنهك إلى الظهر الخشبي الصلب ومال برأسه للخلف، ليتطلع من خلال السقف الزجاجي نحو سماء الليل المثلجة.

في الليالي المثلجة كهذه، كانت حواسه تلتوي بشكل غريب، وتبدو المناظر الطبيعية المحيطة به ضبابية على نحو غامض. كانت حدقتاه الزائغتان موجهتين نحو مساحة الجليد الأبيض، لكن عقله كان شارداً في ذكريات بعيدة.

ثم، سمع صوت خطوات مجدداً. تباً لها. رفع جفنيه ببطء ونجح في إدارة رأسه، ليلمح طيفاً ضئيلاً يتحرك متسللاً بين نباتات الزينة المنزلية الطويلة.

إيهيري------

خرجت تنهيدة قاسية من بين شفتيه. ذلك الطيف الملطخ بالدماء يزوره دائماً كلما حل الليل. لثانية واحدة، غاب عقله تماماً، وضاق حَلْقه ليعجز الهواء عن الدخول، وبدأت أنفاسه تتسارع في اضطراب، فقام "آرثر" بإرخاء ربطة عنقه.

بيدين مرتعشتين، فتح أزرار ياقته التي كانت تخنقه، وأغلق عينيه محاولاً أخذ نفس عميق وبطيء. إنها مجرد هلاوس لعيينة. غطى "آرثر" أذنيه بيديه.

"سموّك؟"

اخترق هذا الصوت الغريب عتمة أسوأ كوابيسه، ليعيده فجأة إلى واقعه بعد أن كاد يفقد ما تبقى من ثباته العقلي.

كان صوت الكعب العالي النحيف يتردد بوضوح في الظلام، وكل خطوة تبدو متميزة عن سابقتها، مسببة موجات من التوتر العارم داخله.

"------هل أنت بخير؟"

بدأ الطيف يقترب تدريجياً تحت الضوء الأبيض المنعكس من الأعمدة الرخامية الناصعة، وبدأ الصوت المألوف يتضح أكثر فأكثر، حتى وقفت أمامه مباشرة عينان خضراوان ثاقبتان تنظران إليه بعمق.

لم يستغرق الأمر طويلاً ليتعرف على صاحبة الطيف؛ إنها "كريستين بيلدون". انحنت المرأة نحوه ببطء.

"سموّك؟"

لماذا هذه المرأة بالذات؟

"------أنا------."

بصوت غير مستقر، بدأت حبات العرق تتشكل على جبهة "آرثر" وأرنبة أنفه وهو ينظر نحو الأرض. بدا الهواء يضيق أكثر فأكثر، فتصلب جسده الضخم وأخذ يلهث في الظلام. شعرت "كريستين" بالذعر وهي تمسك بيد ولي العهد، حيث كانت برودة جسده تخترق قفاز قاعة الاحتفالات النحيف.

"تنفس…. سموّك، تنفس ببطء."

تلاقت عينا "كريستين" مع عيني ولي العهد وأخذت تكرر أمامه عملية الشهيق والزفير ببطء، وكأنها تُعلم طفلاً حديث الولادة كيف يتنفس. سارت معه خطوة بخطوة دون أي عجلة.

"لقد أبليت حسناً يا سموّك. كل شيء على ما يرام الآن."

عادت أنفاسه تدريجياً إلى طبيعتها، لكن التشنجات المتقطعة لم تتوقف. تجرأت "كريستين" ووضعت يدها على وجنة ولي العهد الشاحب، لتقشعر من برودة حرارة جسده المنخفضة للغاية، فجلست بجانبه على المقعد دون أن تفلت يدها من يده.

"عندما كنتُ صغيرة، كنتُ أرى أحلاماً مخيفة وأستيقظ في منتصف الليل باكية. لم أكن أستطيع التنفس، وحينها كانت والدتي تغني لي أنشودة هادئة، فأنام بعدها وكأن شيئاً لم يكن."

التفت "آرثر" ببطء نحو المرأة.

"هل تود سماعها؟"

في وسط ذلك السكون، أغلقت المرأة عينيها للحظة وتنفست برقة، فلامست أنفاسها وجنة "آرثر" كنسمة ربيع دافئة تهب عبر حديقة مفتوحة، وبدأت نبضات قلبه المتسارعة تتراجع عن وتيرتها المخيفة.

🎶 *ورود جميلة تحيط بك، وبتلات لا تحصى تتفتح في أحلام عاطرة.*

اخترق صوتها العذب والواضح جدار الصمت، وللحظة، بدا وكأن الزمن قد توقف تماماً.

كان الأمر غامضاً ومثيراً للاهتمام، فاصلاً بين الواقع والخيال.

لقد سمع هذه الأغنية من قبل، في مكان ما، وفي زمن ما...

متى كان ذلك............

🎶 *أنت هدية من الخالق*

🎶 *ليلة سعيدة يا حبي*

بينما كان "آرثر" يفتش في زوايا ذاكرته، شعر وكأن رأسه محاط بضباب كثيف.

🎶 *نم جيداً يا حبيبي، حتى تطرق خيوط الصباح نافذتك.*

عجز عن استيعاب الكلمات.

لماذا يثير صوتها كل هذه المشاعر الغامضة وغير المفهومة، وكأن هناك رابطاً قديماً يجمعهما منذ زمن بعيد......

🎶 *حلم حلو في الفردوس*

ارتفع صدرها وانخفض تزامناً مع إيقاع أنفاسها، ثم توقفت. لقد انتهت الأغنية التي تمنى "آرثر" ألا تنتهي أبداً.

وتزامن ذلك مع لمسة رقيقة ربتت بها على ظهر يده.

"..................هل أنت بخير الآن، سموّك؟"

لم تكن قد أفلتت يده بعد.

تسلل ضوء القمر الشاحب من بين السحب التي تتحرك مسرعة في السماء، فتوجهت نظرته العميقة والهادئة نحو أيديهما المتشابكة. كانت عيناها الخضراوان الشفافتان تحت ضوء القمر تأسرانه.

ألقت رموشها الطويلة والكثيفة على نحو غير عاد ظلالاً عند زوايا عينيها، فرمش "آرثر" بتوتر، ثم سحب يده فجأة في حالة من الارتباك ما إن تلاقت نظراتهما الثاقبة.

لكن غريزته دفعته فجأة ليمد ذراعه ويقبض على معصم "كريستين" بقوة.

"أنتِ................"

كانت أنفاسهما قريبة جداً لدرجة التلامس.

"من أنتِ حقاً؟"

انطلق المزاد الخيري، الذي يتضمن مأدبة غداء خاصة مع المكرمين لهذا العام، تحت الأضواء المتلألئة للثريات الكريستالية.

وقبل بدء الفعالية، أعلن المضيف أن جميع عائدات الليلة سيتم التبرع بها لبناء جناح جديد للأطفال في مستشفى مدينة "غريتا".

"لقد كنتُ وقحة للغاية مع الآنسة بيلدون، فماذا عساي أن أفعل الآن؟"

أبدت "روزالين"، ببشرتها الناعمة وجسدها الممتلئ، قلقها وهي تطوي طرف مروحتها اليدوية. كان هذا ما تعنيه بضبط النفس. ورغم أنها تفضل النبيذ الأحمر على الشمبانيا، إلا أنها ترددت عند رؤية أنواع النبيذ النادرة التي لا تتوفر إلا في عشاء عائلة "ديموس".

"من الجيد أن فستان الآنسة ديموس يناسبها تماماً، ولكن أرجوكِ يا آنسة روزالين، أظهري بعضاً من ضبط النفس."

"لم أشرب لدرجة الثمالة بعد..................."

احمرّ وجه "روزالين" خجلاً عند سماع العبارة اللائمة.

"لا تقسي على نفسكِ يا آنسة روزالين، لقد جعلتِ نفسكِ بالتأكيد مركز الاهتمام في حفل ليلة عيد الميلاد الليلة، خاصة بالنسبة لسمو ولي العهد. ألم تري تلك النظرة في عيني سموّه قبل قليل؟"

تبادلت السيدات الضحكات الخافتة خلف مروحاتهن اليدوية.

"حقاً، الآنسة ديموس لطيفة وكريمة جداً لإعارة مثل هذا الفستان الجميل."

وما إن بدأت عبارات المديح تصبح مملة وتتكرر مثل الثلج الذي لا يتوقف عن الهطول خارج النافذة، حتى صعد عازف البيانو الشهير عالمياً "كلود لانسفيلد" إلى منصة المزاد. أثار وصوله، مرتدياً بدلة رسمية بيضاء وشعره الحريري البني الفاتح ينسدل بنعومة، ضجة كبيرة في القاعة.

ومنذ البداية، كان من المتوقع حدوث منافسة شرسة بين السيدات.

حولت "سيسيليا" انتباهها نحو النوافذ الزجاجية الضيقة؛ فقد اشتدت الرياح بالخارج.

وتساءلت في نفسها إن كانت ستحظى يوماً بنظرة فاحصة وجيدة لـ "كريستين بيلدون".

كان "آرثر" يعاني من حساسية مفرطة تجاه اللون الأحمر منذ طفولته.

ومع تقدمه في السن، بدا أن هذه العقدة قد اختفت، ولكن هل اختفت حقاً؟

إن دماء شقيقه التي تدفقت من جذوع شجرة قديمة تركت بركاً حمراء وسط الثلوج. ولا عجب أنه يعاني من صدمة نفسية وتأثر شديد من ذلك المشهد. فالوحش وحده هو من سيبقى بلا حراك أمام مثل هذا المنظر المروع.

بينما كانت "سيسيليا" غارقة في أفكارها، انتهى أيضاً دور قائد فريق التجديف في الكلية الملكية لنهر "كارلز"، ولم يتبقَ سوى اسم واحد فقط.

"المغنية الأولى الجديدة لمسرح أوبرا غونو، الآنسة كريستين بيلدون."

Sweetnoveltime 

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة