الفصل (26) وسوم العذاب
## سأكون الزوجة المثالية هذه المرة
### الفصل 26: وسوم العذاب
خرج "ماتياس" من غرف الدوقة الأرملة، وأغلق الباب وراءه ببطء وتأنٍ شديد، وكأن صوت انغلاق المزلاج يمكنه بطريقة ما تقييد إعصار أفكاره. لكن تلك الهدنة كانت قصيرة الأمد، فثمة، مستنداً إلى الجدار الحجري بذراعين مشبوكتين ونظرة مفترسة، وقف "ليون".
رفع "ماتياس" حاجباً مرتاباً، وخفض صوته بحدة آمرة:
"ما الذي يأتي بك إلى هذا الرواق؟ لا تخبرني أنك اتخذت العادة الدنيئة في التلصص."
التوى فم "ليون" بابتسامة ساخرة، وأمال رأسه ببراعة استهزائية معهودة: "وإن كنتُ قد فعلت يا أخي العزيز؟ فماذا بعد؟"
لم يكن "ماتياس"، الذي نفد صبره بالفعل، في حالة تسمح له بمثل هذا المبارزة الكلامية. ودون كلمة واحدة، أمسك "ليون" من أذنه وجره نحو غرفة مكتبه. تلاشت احتجاجات ليون—وهي كورس من "آخ! انتبه لأذني!"—حتى أصبحا بأمان خلف الأبواب المغلقة.
صدم "ماتياس" الباب البلوطي الثقيل، فدوى صوته كطلقة نارية. التفت، وكانت نظرته مظلمة بمزيج متطاير من الإرهاق والقلق الأبوي:
"لماذا كنت تستمع؟" سأله بصوت يرتجف من الغضب المكبوت. "أريد الحقيقة. الآن."
تأوه "ليون" وهو يدلك أذنه المحمرة برفق. عدل سترته، وتحول سلوكه من العبث إلى هدوء مقلق:
"الفضول غالباً. أردت فقط أن أرى كيف ستواجه أمي عاصفة اعترافك."
أطلق "ماتياس" تنهيدة ثقيلة، ومرر يده عبر شعره وهو يهمس: "حقاً لا أعرف ما الذي يجب فعله معك، أيها الشيطان الصغير."
ساد بينهما صمت ثقيل—جسر من التاريخ غير المحكي والدم المشترك. كان "ليون" هو من كسر السكون أخيراً، متخلياً عن خفته المعتادة:
"إذاً.. هي ترغب في استقبال السيدة 'تاليا'؟"
أومأ "ماتياس" برأس صامت ومثقل: "أجل."
"و...؟"
قطب "ماتياس" جبينه بحيرة صادقة: "و ماذا؟"
تنهد "ليون"، ولانت نبرته لتصبح شفافة كأنها تمشي فوق زجاج يخشى أن يتحطم في قلب "ماتياس":
"هل ستسمح بذلك؟ أعلم أن إحساسك بالواجب هو زنزانة لا تكسرها، لكن ليس هذا ما أعنيه." اقترب أكثر: "هل أنت مستعد يا ماتياس؟ للوقوف أمامها؟ إنها، في النهاية، المرأة التي منحتك الحياة."
بدا وكأن الهواء قد تلاشى من الغرفة. تشنجت ملامح "ماتياس" في قناع من الألم الحاد المفاجئ. ضاق حلقه وشعر بجفاف شديد. بدت الغرفة صغيرة جداً، والظلال طويلة جداً. عبث بالزر العلوي لقميصه، وانتزعه بعنف وهو يبدأ في السير في أرجاء الغرفة بطاقة محمومة كحيوان محاصر.
راقبه "ليون" وقد اختفى منه التهكم تماماً، ليحل محله ظل مسكون بالقلق: "ماتياس.. هل أنت بخير؟"
توقف "ماتياس" فجأة. التفت نحو أخيه بوجه بدأ يتشقق أخيراً. انزلق القناع المعتاد للوريث المتزن، ليكشف عن عينين غائمتين بحيرة مضطربة وخام:
"أنا.. أنا حقاً لا أعرف يا ليون،" همس بصوت مكسور. "لقد جاءت بي إلى هذا العالم، نعم—لكن أمك هي من ربتني. هي من فعلت ذلك. لسنوات، لم يكن هناك سوى الصمت."
نظر بعيداً، وأنفاسه تتعثر: "لا رسائل، لا استفسارات، ولا حتى ظل لوجودها. والآن، يُتوقع مني ببساطة أن.. أقف أمامها؟ أن أزن روحي في لحظة؟" علا صوته بهلع: "ماذا لو كان اللقاء كارثة؟"
ظهرت مسحة رقيقة من العرق على جبينه، وابيضت مفاصل يديه وهو يغلقهما بقوة. عندما تحدث مجرد، كان صوته مجرد همس شبحي: "ليون.. لو انعكست الأدوار.. ماذا كنت ستفعل؟"
بقي "ليون" بلا حراك. طال الصمت بينما كان يبحث عن إجابة ليست موجودة. عندما تحدث أخيراً، كان قد فقد تظاهره بالشجاعة:
"ليس لدي إجابة لك يا أخي،" اعترف بصدق حزين. "لكني أرى الثمن الذي تدفعه. أنت محطم حتى النخاع. ربما يجب أن تسعى لنيل قسط من النوم قبل أن تحاول حل هذه العقد."
زفر "ماتياس" زفيراً طويلاً ومحطماً، وكان يصارع بوضوح لاستعادة قطع رباطة جأشه المبعثرة:
"أنت تتحدث بمنطق. ولكن قبل أن أرتاح، لدي مهمة لك. أريدك أن تكون أنت من يرافق السيدة 'تاليا' إلى هنا."
ارتفع حاجبا "ليون" بدهشة: "أنا؟ لماذا ترسل 'مثير المشاكل'؟"
دنى "ماتياس" من أخيه وأمسك بكتفه بقوة حازمة، وعيناه تشتعلان بجدية باردة ومحسوبة:
"لأنني أحتاج لعينيك يا ليون. راقبها خلال الرحلة. انظر خلف ستار أخلاقها واعثر على حقيقة شخصيتها." اقترب أكثر: "إذا كان هذا اللقاء فخاً أو مهزلة، فيجب أن نكون مستعدين لـ.. إجراءات أكثر حسماً."
ارتسمت ابتسامة عارفة على زوايا فم "ليون"، وأومأ برأسه باحترام:
"مفهوم. إذا كنت بحاجة لجاسوس، فسألعب الدور. سأرحل على الفور."
في مكتبها الفاخر، جلست "أوليفيا" غارقة في عملها. كانت حفيف الأوراق هو الصوت الوحيد بينما كانت أصابعها الرقيقة تفرز الوثائق المبعثرة. عبر الغرفة، كانت "إيزابيلا" تتحرك بآلية جوفاء، متظاهرة بمهام لا تنطلي على أي منهما.
منذ تلك الليلة المصيرية، تشنج الهواء بينهما. كان توتراً بارداً ومشحوناً بالكهرباء—حرب استنزاف صامتة تُخاض بنظرات مختلسة وكلمات لم تُقل.
أخيراً، كسرت "إيزابيلا" السكون بصوت ثابت يحمل نبرة جليدية غير مألوفة:
"صاحبة السمو، هناك شيء يجب أن تعرفيه."
رفعت "أوليفيا" نظرها عن الأوراق الملطخة بالحبر، بوجه ينم عن فضول بارد: "أوه؟ وماذا عساه أن يكون؟"
توقفت إيزابيلا للحظة، ومرت ومضة من التردد على ملامحها قبل أن توجه الضربة:
"سيكون لدينا ضيوف غداً."
ضاقت عينا "أوليفيا"، وشعرت بخيوط فخ غير مرئي تضيق حولها: "ضيوف؟ عمن تتحدثين؟"
أجابت إيزابيلا بنبرة خالية من العاطفة: "السيدة 'تاليا' والآنسة 'إيميليا'. من المتوقع وصولهما إلى القصر بحلول الصباح."
اتسعت عينا "أوليفيا" بصدمة حقيقية، لكنها سرعان ما أجبرت ملامحها على العودة إلى رزانتها الملكية الحادة: "تعنين والدة زوجي؟ وأخته؟"
"بالضبط."
سرت قشعريرة باردة على طول عمود "أوليفيا" الفقري. لماذا الآن؟ بعد سنوات من النفي والصمت، لماذا تختار تلك المرأة هذه اللحظة بالذات للخروج من ضباب الماضي—ومعها ابنة؟
سألت أوليفيا بصوت كأنه مخمل فوق فولاذ: "وما الغرض من هذه الزيارة المفاجئة؟"
قابلت إيزابيلا نظراتها بثبات مقلق، وردت بجرأة: "لا أستطيع القول. أليست الدوقة هي التي عادة ما تكون مطلعة على أسرار العائلة؟"
كان الاستفزاز واضحاً. فمنذ كُشف سرها، تلاشت الخادمة المطيعة المترددة، وحلت محلها امرأة تتحدث بحدة الشفرة. لم ترمش أوليفيا، بل ثبتت نظرها على إيزابيلا بنظرة يمكن أن تحطم الحجر:
"إيزابيلا، يبدو أنكِ نسيتِ أنكِ تقفين أمام الدوقة."
رمشت إيزابيلا، وانطفأت النار في عينيها عندما أدركت أنها تمادت. ابتلعت ردها وساد صمت مشحون بالاستياء.
قالت أوليفيا: "الآن، أخبريني بما تعرفينه عن زيارتهما."
أجابت إيزابيلا: "تحدث 'ليون' عن الأمر. زعم أن الدوقة السابقة هي من طلبت اللقاء بنفسها. كان على عجل من أمره ولم يقدم مزيداً من التفسيرات."
جلست أوليفيا في صمت، والمعلومات تدور في ذهنها كالغربان التي تحوم فوق ساحة معركة. وضعت قلمها جانباً ونهضت، وقبل أن تصل للباب، اقتربت من إيزابيلا برشاقة مفترسة، وهمست بتحذير جمد الهواء:
"يا عزيزتي، اتفاقنا لا يزال قائماً. لن تنبسي بكلمة عن شؤوننا لوالدي إلا عندما أقرر أنا ذلك. لا تفكري حتى في تسريب وثيقة واحدة."
رسمت إيزابيلا ابتسامة خزفية متمرسة، لكن عينيها لمعتا بتحدٍ صامت وخطير: "أنا مدركة تماماً لترتيبنا، يا صاحبة السمو. تماماً كما تدركين أنتِ أن الوقت يقترب لكي تفي بجانبكِ من الصفقة."
ردت أوليفيا بتعبير لا يمكن فك شفرته: "بالطبع. بمجرد أن تمر هذه العاصفة، سأرافقكِ شخصياً إلى والدكِ."
غادرت أوليفيا مكتبها متجهة نحو مكتب زوجها، باحثة عن مشورته. لكنها عندما دفعت الأبواب الثقيلة، لم تجد سوى الأشباح والظلال. كانت الستائر المخملية الطويلة تتمايل كأكفان جنائزية في ريح نافذة مفتوحة.
فجأة، انقبض صدرها بذعر متزايد لا تريد تسميته. صعدت الدرج نحو غرفته الخاصة. طرقت الباب مرة، مرتين، ثم مرة أخرى. الصمت الذي أعقب ذلك كان ثقيلاً وخانقاً.
ضاربة بالبروتوكول عرض الحائط، أدارت المقبض واقتحمت الغرفة. كان الهواء بالداخل خليطاً مريعاً من دخان التبغ الراكد ورائحة المشروبات المسكوبة النفاذة. كانت زجاجات النبيذ الفارغة ملقاة على الأرض كجنود سقطوا في المعركة.
لكن الهيئة الملقاة عند الجدار البعيد هي ما جعلت الأنفاس تموت في حلقها.
كان هناك الدوق.. صدره عارٍ، يرتفع وينخفض بأنفاس ضحلة ومجهدة. كان غارقاً في بحر من أعقاب السجائر المطفأة. وجهه كان محمراً بحرارة غير طبيعية، وجبينه يتصبب عرقاً محموماً.
في يده اليمنى، كانت عقب سيجارة أخيرة لا تزال تترك خيطاً شبحياً من الدخان. لكن رؤية كف يده هي ما جعلت دمها يتجمد في عروقها؛ وسمت البشرة علامات حروق غاضبة ونيئة—**وسوم عذاب ألحقها بنفسه.**
جثت بجانبه، وشعرت برعب مخيف يتجذر في عقلها:
**هل كان... هل كان يحرق نفسه؟**
*

تعليقات
إرسال تعليق