الفصل (26) سوء حظي هو أنني أحببتك - The Misfortune of Loving You,
"مارسيل، لم أظن أنك ستأتي."
نهض "مارسيل" من مقعده عند نداء ماركيز كاليه، وابتسم وهو يصافح يد الماركيز بحرارة.
"شكراً على الدعوة يا ماركيز."
"أرسل لك دعوة كل عام، وأنت ترفضها في كل مره."
"حسناً، كنت أعلم أنه يجب عليّ القبول ولو لمرة واحدة على الأقل. لحسن الحظ، سمح جدولي بذلك هذه المرة، رغم أنني لم أتمكن من الحضور في الوقت المناسب للحاق بصيد الصباح."
"يا لخسارة الفيكونت بومونت، لو كنت هنا لأنقذتنا من المركز الأخير."
بضحكة قوية، التفت ماركيز كاليه إلى ضيوفه المنتظرين ليقدم الوافد الجديد.
"هذا هو مارسيل فابرون دي مونبلييه. يدرس علم الآثار في جامعة أورليان التي أرعاها."
"أتقصد الشخص الذي نال لقب 'بارون' بسبب تنقيبه عن أطلال المملكة القديمة.......؟"
"بالضبط. هذا هو مارسيل، أمامكم مباشرة."
هز ماركيز كاليه كتفيه فخراً وكأنه هو من اكتشف المقبرة الملكية القديمة بنفسه.
"حسناً، يسعدني لقاؤك. كونت فابرون لديه ابن رائع."
"أنا أيضاً أستثمر في مشروع الشاي الخاص بالابن الثاني للكونت في العالم الجديد."
اندفع الضيوف لتقديم أنفسهم لمارسيل، جزئياً لإرضاء الماركيز، ولكن أيضاً لأن اسم مارسيل فابرون كان ذائع الصيت في المجتمع الراقي. فرغم كونه باروناً فقط، إلا أنه كان من النادر أن يحصل شخص على لقب نبيل لإنجازاته الأكاديمية. علاوة على ذلك، كان نادراً ما يظهر في الدوائر الاجتماعية، مما أثار فضول الكثيرين حوله.
"شكراً لكم على اهتمامكم بمشاريع عائلتي."
حياهم مارسيل بهدوء ووقار، ولم يبدُ عليه أثر الانعزال الذي وسم حياته الأكاديمية الطويلة.
ثم جاء دور "روان".
حدق روان في الرجل الذي كان أقصر منه بنصف قدم بوجهه المعتاد الخالي من التعبير.
"تحياتي. أنا العقيد بارتيز، وجه بحرية 'برونوا'."
"آه، أنت..................."
حبس مارسيل أنفاسه لثانية، ثم أدرك فظاظته ومد يده بسرعة.
"أنا فقط متفاجئ للغاية بمقابلة بطل الإمبراطورية الذي لم أقرأ عنه إلا في الصحف وجهاً لوجه. يشرفني لقاؤك، أنا مارسيل فابرون دي مونبلييه."
أمسك روان بيده وصافحه بحركة انسيابية، وبرقت لمعة من حسن النية الصافية في عينيه الرماديتين. فكر روان أن هذا الرجل ربما لم يتعرف عليه، لكن روان، على العكس تماماً، عرفه من النظرة الأولى. لم يتغير الرجل أبداً؛ من جسده النحيل غير المتناسق إلى الهالة اللطيفة التي توحي برجل لن يترك كتابه حتى لو كان على وشك الموت.
"أنا روان بارتيز."
لكن روان لم يتظاهر بمعرفته، بل تعامل مع الأمر وكأنه لقاء أول. لقد كان لقاءً لن يسعد أياً منهما بحدوثه.
"حسناً، الآن بعد أن تعرفنا، فلنجلس. معدتي تكاد تلتصق بظهري من الجوع."
أطلق ماركيز كاليه دعابة جافة وشق طريقه إلى الطاولة، فتبعه الضيوف وجلسوا في أماكنهم. وبعد لحظات من شرب النبيذ وتناول الجبن، وصل الطاهي بقطع اللحم المشوي المحمر ووزعها على الأطباق.
في نهاية تلك الوجبة الطويلة والممتعة، وبدلاً من الحلوى، كانوا يتناولون نبيذ الفاكهة الحامض والحلو.
"بالمناسبة، ماذا عن أحدث غنائم العقيد بارتيز؟"
قاطع صوت خفيض الضجيج، مما أدى إلى صمت غير طبيعي خيم على الغرفة. اتجهت كل العيون نحو روان، وكان ذلك متوقعاً.
"إذاً، كيف هي؟"
انحنى فم الرجل المجعد بابتسامة خبيثة، ولم يكن هناك أحد في الغرفة لا يدرك أنه لا يقصد "الأعمال التجارية" بمعناها المعتاد. ومع ذلك، بدأ سيل من المحادثات البذيئة بالتدفق.
"مما سمعته، إنها جميلة جداً."
"لقد رأيتها مرة من قبل في مأدبة إمبراطورية. كانت فاتنة جداً بالنسبة لفتاة صغيرة، لكن كان لديها تلك النظرة في عينيها التي لا يمكن أن تخطئها؛ نظرة آل 'إيبرن'."
"هذه هي المتعة الحقيقية، أليس كذلك؟ تحطيم تلك الغطرسة، وترويض نبيلة تحولت إلى أمة."
"لطالما عرفت أن العقيد لديه ذوق فريد."
وكالعادة في الأماكن التي يغيب عنها النساء، ألقى الرجال أقنعتهم النبيلة وبدأوا يتحدثون بفضول واهتمام. لم يشارك روان في المحادثة، بل كان يكتفي بابتسامة غامضة من حين لآخر ويترك المتحدثين يخمنون بأنفسهم. لم يكلف نفسه عناء تصحيحهم أو إظهار استيائه، فبالنسبة لهؤلاء الرجال، لم تكن السبايا سوى دمى للترفيه.
رغم أن "ديلنيا إيبرن" لم تكن تدرك حقاً أن هذا هو دورها. لم يبدُ أنها تستوعب ذلك على الإطلاق.
لم يكن من الصعب على روان تذكر الخزي الذي كان واضحاً في عينيها وهي تغلق فمها مثل دمية، ولا نبضها غير المنتظم تحت كفه عندما أمسك بعنقها.
شعر روان بحرقة مفاجئة في حلقه فتناول رشفة أخرى من نبيذ الفاكهة. وبينما كان يضع الكأس، لفت نظره شخص ما. رجل متصلب وجامد، وحيد وسط هذا الحشد من الرجال الصاخبين؛ كان مارسيل فابرون.
لمحه روان لفترة وجيزة، لكن المحادثة تحولت إلى ألعاب الورق، فصرف روان نظره عن مارسيل واندمج في الحديث الجانبي.
"الآن كل ما علينا فعله هو قتل الوقت حتى العشاء."
بمعدة ممتلئة وأحاديث شارفت على الانتهاء، بدأت المجموعة تبحث عن اهتمامها التالي. وبما أنهم سينتظرون الطيور المهاجرة والحيوانات البرية التي لا تظهر إلا عند الغسق، فقد احتاجوا إلى ما يقتلون به وقت الفراغ.
"هناك صنارات صيد عند البحيرة إذا أردتم التجربة. توجد أسماك 'باس' كبيرة الحجم، يمكنكم الرهان على ذلك."
"ما الفائدة من الصيد تحت الشمس؟ فلنلعب الورق في الظل."
طُرحت مقترحات متنوعة، لكن في النهاية، أخذ معظمهم الصنارات واستقروا بجانب البحيرة. كان روان يقف تحت ظل شجرة، بعيداً قليلاً عن مجموعة الصيادين، يدخن السيجار. كان عليه الانضمام إليهم عندما ينتهي، لذا قرر الاسترخاء حتى ذلك الحين.
كان يستمتع بنكهة سيجاره بهدوء أكثر من المعتاد، لكن سكينته انقطعت بصوت غير محبب.
"العقيد بارتيز."
التفت روان نحو صاحب الصوت بوجه خالٍ من التعبير. كان مارسيل يقترب منه بابتسامة رقيقة.
"هل تود التدخين؟"
مد روان علبة السيجار نحو مارسيل، لكن الأخير هز رأسه ورفض العرض.
"لا، شكراً لك."
أعاد روان العلبة بسرعة ووضعها في جيبه الخلفي بحركة عسكرية رشيقة. أعاد روان نظره ببرود إلى البحيرة، فليس لديه ما يقوله لهذا الرجل.
"هل يحب العقيد الصيد؟"
فتح مارسيل الموضوع، وعيناه تراقب ملامح روان الجانبية، محاولاً تلطيف الأجواء. التفت روان إليه وأومأ برأسه قليلاً.
"عندما أُدعى، أميل إلى الحضور."
"فهمت. لقد كنت مشغولاً بأبحاثي، لذا لم أحضر شيئاً كهذا من قبل، لكن لا يبدو الأمر سيئاً إذا تمكنت من رؤية مثل هذا المنظر الرائع. في المرة القادمة التي أُدعى فيها، سأحرص على الحضور."
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي مارسيل وهو يتأمل المناظر الطبيعية أمامه. لكن روان كان مستعداً للمراهنة بكل سجائره على أن مارسيل لن يقبل دعوة ماركيز كاليه مرة أخرى؛ فالرجل لا يناسبه الصيد إطلاقاً.
"ماذا تريد مني؟"
سأل روان وهو ينظر لمارسيل، غير قادر على تحمل هذه المحادثة التي لا طائل منها، وربما رغبةً في عدم تحمل هذا الرجل لفترة أطول.
"أوه، هذا صحيح..................."
تلعثم مارسيل، متفاجئاً بصراحة السؤال. لكن بعد ذلك، وكأنه اتخذ قراره، اشتدت ملامحه وتحدث:
"في الواقع، الأمر يتعلق بالسبية التي أعطاها جلالة الملك للعقيد هذه المرة. لقد كانت سيدة 'إيبرن'."
*ها، إذاً هذا هو الأمر.*
أعاد روان السيجار إلى فمه ليخنق تنهيدة كادت تخرج منه. كان من الغريب أن يظهر هذا الرجل الذي لم يهتم بالصيد يوماً في حياته فجأة؛ فلديه غاية إذاً. لم يتغير أبداً منذ شبابه، حين كان يباغت خصومه بوجهه البريء ويتسلل من خلف ظهورهم.
"في الواقع، نحن نعرف بعضنا البعض منذ أن كنا أطفالاً."
كانت تلك حقيقة يعرفها روان بالفعل، لذا بدلاً من التعليق، أخذ نفساً عميقاً من سيجاره وانتظر الكلمات التالية.
**ترجمة: صوفيا (sofia)

تعليقات
إرسال تعليق