الفصل (24) ثمن النسب

 


## سأكون الزوجة المثالية هذه المرة

### الفصل 24: ثمن النسب

تسللت شمس الصباح عبر زجاج النوافذ الشاهقة في غرفة الدراسة، لتلقي بظلال "ماتياس" كشبح حاد ومسنن. في الخارج، بدأت المدينة تضج بالحركة، وشرايين شوارعها المرصوفة بالحصى تنبض برائحةفضيحة جديدة—شائعات انتشرت بسرعة صامتة ومفترسة كأنها وباء.

لم يلتفت "ماتياس"، وظل فكه مشدوداً، كخط قسوة يتحدى الضوء الشاحب. أخيراً، اخترق صوته السكون، مثقلاً باتهام بارد ومشتعل:

"هل أنتِ راضية الآن؟"

في ظلال الحائط البعيد، وقفت "أوليفيا" كتمثال نُحت من حقد. شبكت ذراعيها، ووجهها قناع من اللامبالاة الخزفية، وردت بنبرة هشة من شدة الانزعاج:

"تتحدث وكأن التسريب خرج من شفتي." ثم أضافت: "أنت وأنا نعلم جيداً أنني لستُ مهندسة هذا الخراب."

التفت "ماتياس" أخيراً، وبحثت عيناه المظلمتان في عينيها، تلمعان بمزيج متطاير من الغضب المنهك والاستسلام الأجوف. زفر بصوت حاد ومجهد وهو يمرر يده عبر شعره الفوضوي:

"لا يهم.. كنت أعلم أن الأمواج ستنقلب ضدنا في النهاية."

رفعت "أوليفيا" حاجباً، وبدت نظراتها غير متأثرة:

"إذاً، هل استدعيتني في هذه الساعة المتأخرة لمجرد لعب دور الشهيد؟ لتلقي بخطايا العالم عند قدمي؟"

أفلتت منه ضحكة مريرة وجوفاء وهو يتراجع نحو مكتبه الماهوجني، مستنداً بثقله عليه:

"بالكاد يا أوليفيا. دعوتكِ هنا لتشهدي حصاد مطالبكِ الخاصة." نظر إليها بحدة: "هذه الحماقة تحديداً هي جوهرة تاج إصراركِ—وأنا كنت الأحمق الأكبر لاستجابتي لها."

تصلب جسد "أوليفيا"، وانغرست أصابعها في حرير أكمامها الناعم:

"أنا؟ لم أسعَ قط لفضيحة! إنه أخي يا ماتياس. ومهما كانت مشاكلي معه، فهو من دمي. أنا لا أخون أهلي."

تلوى تعبير وجهه إلى ابتسامة ساخرة ومظلمة، وعيناه حادتان كشفرة مبارز:

"أوه، لا أحد يجرؤ على التشكيك في إخلاصكِ لاسم العائلة،" قالها بنبرة متهكمة، "فكلانا يتذكر المدى الذي وصلتِ إليه من أجل والدكِ."

فجأة، أصبح الهواء في الغرفة ثقيلاً. للحظة، كان الصمت مطلقاً، محملاً بأشباح الأسرار المشتركة. تعثر نَفَس "أوليفيا"—مجرد كسر بسيط في ثباتها—قبل أن تستعيده بنظرة تحدٍ جليدية. لن تنكسر أمام الماضي.

اقترب "ماتياس" من المكتب، مقلصاً المسافة بينهما برشاقة مفترسة، وسخر قائلاً:

"إذاً، يا صاحبة السمو، بما أنكِ كنتِ حازمة جداً في تجنب الطلاق، فما هي خطتكِ العظيمة؟ كيف تنوين إصلاح هذا الزجاج المحطم؟" اقترب أكثر وانخفض صوته: "نوريني—كيف تقترحين إهداء السعادة لكل من أختي وأخيكِ وسط هذا الحطام؟"

ظل التحدي عالقاً في الهواء. تركت "أوليفيا" الصمت يطول، وهي تأخذ نفساً بطيئاً ومحسوباً:

**"ماذا لو لم تكن ليلى من عامة الشعب؟"**

لمعت شرارة مفاجأة حقيقية في نظراته المظلمة: "ماذا؟"

تابعت بصوت ثابت وهي تثبت نظرها عليه: "ماذا لو تم تبنيها في بيت ذو مكانة؟ النسب النبيل سيخرس الهامسين."

توقف "ماتياس". تلاشت الشكوك على وجهه تدريجياً ليحل محلها اهتمام صارم. مسح ذقنه، وتروس مكيدة جديدة تدور خلف عينيه:

"مقامرة مثيرة للاهتمام... سيتطلب الأمر بيتاً من أعلى المستويات، بيتاً لا يجرؤ البلاط الإمبراطوري على استحقاره."

ثم عادت لمعة حادة إلى عينيه: "من حسن الحظ، أعرف المرشح المثالي لهذه المسرحية."

ودون تفسير إضافي، استدار وخطف معطفه عن الكرسي وألقاه على كتفيه. وصل إلى الباب قبل أن يتوقف، وينظر إليها كأنها مجرد فكرة ثانوية، ومَدّ يده:

"هل أنتِ قادمة؟"

رمشت "أوليفيا"، وانزلق ثباتها أخيراً إلى حيرة حقيقية: "أنا؟"

أطلق "ماتياس" ضحكة جافة خالية من الفكاهة: "بالفعل. ما لم يكن هناك شبح في هذه الغرفة لم أقابله بعد؟ تعالي، لدينا مستقبل لنعيد كتابته."

بتنهيدة ناعمة مستسلمة، تقدمت "أوليفيا" ووضعت ذراعها في ذراعه. احتك حرير كمها بصوف معطفه—تحالف هجين وُلد في حرارة الأزمة. أياً كان ما تنطوي عليه هذه المقامرة، فإن الجسور خلفهم قد بدأت بالفعل في الاحتراق.

رنّت خطواتهم بتناغم إيقاعي فوق الرخام البارد. ساد بينهما صمت ثقيل، مع إدراك أن الكلمات التي يوشكان على نطقها ستغير نسيج حياتهما للأبد.

عندما وصلا إلى غرف "ليلى"، توقف "ماتياس"، ويده تحوم أمام الباب الخشبي. طرق طرقة ناعمة ومدروسة: "اعذري تطفلي يا أختي، أنا داخل."

دفع الباب، لكن الغرفة كانت خاوية، مغمورة بضوء الضحى الذهبي الناعم.

همست أوليفيا: "لابد أنها بحثت عن السكينة في الحديقة."

استدارت لتغادر، لكن صوتاً—رقيقاً ومنتظماً—استوقفها. تسمرت في مكانها، ادارت رأسها نحو السرير الكبير. ومع حفيف تنورتها خلفها، اقتربت "أوليفيا".

وسط بحر من الكتان، كانت الطفلة نائمة، صغيرة وأثيرية، وأنفاسها طنين خزفي هادئ. اقترب "ماتياس" إلى جانبها، وتلاشت هيبته الطاغية وهو ينظر إلى الصغيرة. حين كسر الصمت أخيراً، كان صوته حنوناً بشكل غير معهود:

"الشبه بينكما مذهل."

نظرت "أوليفيا" إليه مندهشة: "حقاً؟" ثم عادت لتتأمل ملامح الفتاة الدقيقة: "حسناً.. أظن أنه أمر طبيعي، فأنا عمتها بعد كل شيء."

لمعت شرارة فضول في عيني "أوليفيا" وهي تنظر للرجل بجانبها: "قل لي يا ماتياس—هل حملتها يوماً؟ ولو لمرة واحدة؟"

افترقت شفتاه وكأنه سيلقي رداً حاداً وسريعاً، لكن الكلمات ماتت في حلقه، وفضحته الحيرة في عينيه. ودون سابق إنذار، انحنت "أوليفيا" وجمعت الطفلة النائمة بين ذراعيها.

أمرته بنبرة لا تقبل الجدل: "اضبط ذراعيك."

رمش "ماتياس" بدهشة: "عفواً؟"

"افعل ذلك فقط، بسرعة."

بإذعان رجل يواجه قوة من قوى الطبيعة، عدل وضعية يديه. وبعد لحظة، انتقل وزن الطفلة إلى حضنه. وقف مشلولاً، وعضلاته متصلبة وكأنه يحمل آنية من أفخر أنواع الكريستال وأكثرها هشاشة.

ثم ببطء، تلاشى التوتر من جسده. وانتشر دفء غريب على وجهه، وذابت عيناه الحذرتان في تعبير من الفرح الهادئ الذي لا ينكر.

راقبت "أوليفيا" المشهد مبهورة. الطريقة التي احتضن بها تلك الحياة الصغيرة، واللين المفاجئ الذي صقل حوافه الحادة—كان ذلك وحياً لها. فكرت في نفسها: "سيكون والداً رائعاً."

مست ظلال ابتسامة شفتيها، وقبل أن تمنع لسانها، خرجت الفكرة كهمس:

"ستكون والداً عظيماً يا ماتياس."

وبينما كان لا يزال تحت تأثير سحر دفء الطفلة، أجاب "ماتياس" بعفوية:

"أتعتقدين ذلك حقاً؟" كان في صوته إشراق غير معتاد، وأمل هادئ لم يعتد أي منهما على سماعه.

بقيا هناك، غارقين في ملاذ من صنعهما، غير مدركين للشخصيات الواقفة في ظل المدخل.

كان "ليون"، "إيزابيلا"، "كايل"، و"ليلى" يقفون هناك، يراقبون في صمت مذهول يحبس الأنفاس. بالنسبة لهم، كان هذا المنظر معجزة؛ "ماتياس" و"أوليفيا"، القلبان الأكثر حذراً في المملكة، يبتسمان معاً... كعائلة حقيقية.

ثم، وإحساساً بوطأة الأعين عليهم، التفت "ماتياس" و"أوليفيا" بحدة متزامنة. بدا وكأن الهواء في الغرفة تجمد فوراً. تراجع الدفء كمدّ وجزر، ليحل محله الأقنعة الجليدية المعتادة لمكانتهما.

تقدم "ماتياس"، وأعاد الفتاة بحذر إلى ذراعي أخته. عدل معطفه، مستعيداً رداء سلطته الباردة. وقال بصوت يقطع الصمت كريح شتوية:

"بما أنكم رأيتم من المناسب التجمع هنا.. اجلسوا."

أصبح الجو ثقيلاً. واحداً تلو الآخر، اتخذ الأزواج مقاعدهم. مال "ماتياس" للأمام، وثبت نظره على "كايل" بكثافة حيوان مفترس:

"كايل. تمثيلك هذا—بقاؤك في الدوقية—ليس فعلاً من أفعال التفاني." انخفض صوته بتردد قوي: "إنه جبن. وأنت أذكى من أن تتظاهر بغير ذلك."

اشتد فك "كايل"، لكن "ماتياس" أسكته بإيماءة واحدة حادة:

"ستعود إلى القصر. لن أجلس مكتوف الأيدي بينما تلطخ همسات الرعاع شرف أختي." توقف قليلاً ليترك أثراً لكلامه: "لقد وجدنا طريقاً يسمح لك ولليلى بالبقاء معاً، لكن الإمبراطورة لن تنحني أبداً لرجل يختبئ تحت سقفي."

وقف "كايل" فجأة، وعيناه واسعتان بأمل محموم: "حقاً؟ كيف؟"

ملأ الصمت الغرفة بينما ترك "ماتياس" التشويق يبنى. وعندما تحدث أخيراً، كانت كلماته بطيئة، تقطر بوزن عواقبها:

**"أعتزم أن أجعل الدوقة الأرملة تتبنى ليلى."**

راقب وجوههم. "وبذلك، ستعود ليلى ابنة حقيقية لعائلة لوكرون."

سُحب الهواء من الغرفة في شهقة جماعية واحدة.

"أمي؟!" انكسر صوت "ليون" في السكون، ووجهه لوحة من الصدمة المحضة.

لكن رد فعل "ليلى" كان الأكثر اشتعالاً؛ وقفت ووجهها شاحب بغضب متزايد، وعيناها تومضان كالبرق، وهست قائلة بصوت يرتجف من شدة سخطها:

"تتوقع مني..." نظرت إليه بحدة نهائية: "**أن أصبح ابنة للمرأة ذاتها التي دمرت حياة والدتي؟**"

ثم ختمت كلامها كشفرة حادة:

"أنت تطلب

 المستحيل يا ماتياس."

**

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة