الفصل( 23) شراكة

 


## ****

"عفواً؟ هل قالت صاحبة السمو شيئاً؟" رن صوت إيزابيلا بمرح متكلف لم يصل إلى عينيها قط.

ارتمت أوليفيا إلى الخلف على مقعدها المخملي، وتحدثت برزانة مدروسة بينما ومض بريق مفترس في نظراتها: "آه، إذاً هكذا سنلعبها؟ تظاهر وأقنعة؟"

أجابت إيزابيلا وهي تمد يدها بثبات نحو كوب الشاي، رغم أن الهواء بينهما أصبح ثقيلاً بالتهديدات غير المنطوقة: "أخشى أنني لا أزال تائهة أمام المعنى الذي تقصدينه، يا صاحبة السمو."

دون كلمة، أخرجت أوليفيا من جيب ثوبها الحريري مغلفاً ورقياً ثقيلاً، ووضعته على الطاولة الرخامية بينهما بضربة خفيفة متعمدة. كان هناك، مطبوعاً في الشمع، الختم الذي لا يخطئه أحد... ختم الفراشة؛ معقد، رقيق، ومُدين.

سألت أوليفيا بصوت هامس: "هل يساعد هذا في إنعاش ذاكرتكِ الضعيفة؟"

ألقت إيزابيلا نظرة على الرسالة، بملامح تنم عن ارتباك مهذب: "لا أزال لا أفهم. هل تطلبين مني تسليم هذه غداً؟"

"أنتِ حقاً بارعة في التلاعب يا إيزابيلا. يجب أن أعترف أنني استخففت بعمق مكركِ." مالت أوليفيا للأمام، ليسقط ظلها فوق الطاولة: "ماذا لو كسرتُ هذا الختم وقرأتُ المحتويات بصوت عالٍ، هنا والآن؟"

هزت إيزابيلا كتفيها بلامبالاة مصطنعة، رغم أن نبضها بدأ يطرق بعنف: "لا أعرف لماذا تخاطبينني بهذا العداء. يمكنكِ فعل ما تشائين، إنها رسالتكِ في النهاية."

ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتي أوليفيا: "ومتى بالضبط قلتُ إن هذه رسالة؟"

ابتلعت إيزابيلا ريقها بصعوبة: "إذاً... لمن هي؟"

همست أوليفيا وعيناها تخترقان خصمها: "ممم، تخيلتُ أنكِ ستتعرفين عليها بشكل أفضل، خاصة وأنها كانت مخبأة بإحكام في قاع صندوق مجوهراتكِ."

دوّى صوت تحطم الكريستال في الغرفة عندما انزلق الكأس من أصابع إيزابيلا المرتجفة. حاولت بفرغ إزالة الشظايا لإخفاء فقدانها المفاجئ للسيطرة، لكن أوليفيا كانت أسرع، إذ مالت وهمست ببرود في أذنها: "توقفي عن التمثيل. أنا أعرف تماماً حقيقتكِ."

عادت المرأتان إلى مقعديهما، وظلت شظايا الزجاج شاهداً على السلام المحطم. فجأة، تحولت ملامح إيزابيلا، وسقط قناع "السيدة البريئة" ليحل محله تحدٍ صلب.

سألت إيزابيلا بصوت حاد: "وماذا بعد؟ حتى لو عرفتِ، ما الذي سيتغير؟ هل تعتقدين حقاً أنكِ تستطيعين تهديدي؟ من سيصدق كلام 'الدوقة الشرير' ضد إيزابيلا اللطيفة والمحبوبة؟"

رشفت أوليفيا نبيذها بتمهل وثقة: "أهددكِ؟ معاذ الله، لا. أنتِ محقة تماماً — لن يقف أحد في صفي. لن يصدقوا أبداً أنني لستُ شريرة، ولن يصدقوا أبداً أنكِ لستِ قديسة."

"إذاً لماذا هذه المسرحية؟"

"الفضول،" أجابت أوليفيا وهي تدير السائل القرمزي في كأسها. "مجرد فضول محص."

"تحدثي بوضوح يا أوليفيا. ماذا تريدين حقاً؟"

قالت أوليفيا وعيناها تزدادان حدة: "سأخبركِ بثمني، بمجرد أن تخبريني بشيء واحد... لماذا؟"

قطبت إيزابيلا حاجبيها: "لماذا... ماذا؟"

"لماذا تسربين أسرار الدوقية؟" جردت أوليفيا صوتها من أي زخرف شاعري وتابعت: "بالنسبة لي، الدافع واضح؛ أنا ابنة أبي، والخيانة تجري في دمي. يمكنني خيانة زوجي دون تفكير ثانٍ. لكن أنتِ يا إيزابيلا؟ أنتِ التي يُفترض أنكِ تعبدين الأرض التي يمشي عليها زوجكِ؟"

هست إيزابيلا بألم مخفي: "هراء. إنه زواج سياسي، لا أكثر. تماماً كزواجكِ."

أطلقت أوليفيا ضحكة خافتة وجوفاء: "زواج سياسي، نعم. لا أنكر ذلك. لكن العين لا تكذب أبداً يا عزيزتي. أنتِ تنظرين إليه بنفس الشوق اليائس الذي تنظر به ليلى إلى كايل. لا يمكنكِ خداعي. لذا، أخبريني... لماذا تدمّرين الرجل الذي تحبينه؟"

سكبت إيزابيلا النبيذ حتى كاد يفيض من الكأس: "بما أنكِ مصرة، سأخبركِ. كنتِ ستكتشفين الحقيقة في النهاية حتى بدون اعترافي."

ردت أوليفيا بجفاف: "فتاة حكيمة. تحدثي إذاً."

تنفست إيزابيلا بعمق وكأنها تجمع شتات روحها: "لم يكن لدي خيار."

"لم يكن لدكي خيار؟" مالت أوليفيا للأمام: "عبارة مريحة يا إيزابيلا. ماذا تعنين؟"

ساد صمت خانق قبل أن تحطمه همسات إيزابيلا المتهدجة: "والدي... إنه يحتجز والدي سجيناً."

حلّ صمت بارد مفاجئ في الغرفة. أظلمت تعابير أوليفيا واختفت السخرية من وجهها: "اشرحي لي."

بدأت إيزابيلا بصوت مرتجف: "قبل عامين، كان والدي مدينًا لوالدكِ. ذهب إلى قصر الدوق للتفاوض، ولم يعد قط. لقد احتُجز في سراديب والدكِ المظلمة منذ ذلك الحين. وبالطبع، لم يهتم أحد باختفاء نبيل ساقط. رأى والدكِ فرصة — وحولني إلى بيدق له، إلى عينيه وأذنيه داخل هذه الجدران."

اشتدت قبضة أوليفيا على كأسها. كانت تعرف سمعة والدها جيداً؛ رجل يحصد الأرواح ليزرع طموحاته.

همست أوليفيا مع بزوغ الإدراك: "كل تلك الزيارات لمنزل عائلتكِ... لم تكن سوى غطاء، أليس كذلك؟"

أجابت إيزابيلا بغصة: "نعم."

أمالت أوليفيا رأسها: "صفيه لي."

رمشت إيزابيلا بذهول: "ماذا؟"

"تقولين إنه ضيف عند والدي. أنا أعرف الوجوه في زنزانته جيداً. صفي لي مظهره."

ترددت إيزابيلا ثم قالت: "لديه ندبة. ندبة بارزة ومشرشرة... تقطع وجهه."

ضربت الذكرى أوليفيا كصدمة جسدية. رجل بشعر كستنائي، وعينين خضراوين متعبتين، وتلك العلامة المميزة للعنف على خده. لقد رأته!

فجأة، انهارت إيزابيلا الرزينة. سقطت على ركبتيها، وتشبثت أصابعها بحرير تنورة أوليفيا وهي تنشج بمرارة:

"أرجوكِ... أخبريني. هل هو حي؟ لم أره منذ عامين. أحتاج فقط أن أعرف... هل لا يزال يتنفس؟"

للمرة الأولى، لم تجد أوليفيا رداً حاداً. نظرت إلى المرأة المنبطحة عند قدميها، ورأت يأساً خاماً وبدائياً.

قالت أوليفيا أخيراً بصوت أنعم مما كان عليه من قبل: "إنه في مكان آمن. لقد... لقد تحدث عنكِ كثيراً."

عادت إيزابيلا إلى مقعدها وهي تحاول استعادة كرامتها: "أعتذر يا صاحبة العظمة. كان ذلك... غير لائق."

وضعت أوليفيا كأسها بصرامة: "لا اعتذار. الآن، لنعد إلى العمل. لقد كنتِ ترسلين التقارير لوالدي."

فكرت أوليفيا بمرارة: *ذلك العجوز اللعين. كنتُ أنا الخطة (أ)، وكانت إيزابيلا هي الخطة البديلة.*

اعترفت إيزابيلا: "لقد وعدني بأنه سيطلق سراح والدي بعد ثلاث سنوات."

**ثلاث سنوات.**

وقع الرقم على أوليفيا كالصاعقة. ثلاث سنوات — الجدول الزمني الدقيق الذي أعطاه إياها لتفكيك عائلة لوكرون. كل شيء كان مرسوماً منذ البداية.

نمت فكرة خطيرة في ذهن أوليفيا، وارتسمت ابتسامة مفترسة على شفتيها.

"يبدو يا عزيزتي إيزابيلا، أننا نبحر في نفس القارب."

ضاقت عينا إيزابيلا: "ماذا تقصدين؟"

"أقترح عليكِ... **شراكة**."

اتسعت ابتسامة أوليفيا: "صفقة، إن فضلتِ. سأوفر لكِ الموقع الدقيق لوالدكِ وأضمن سلامته. وفي المقابل، عندما ترسلين رسائلكِ لوالدي، سأكون أنا من يملي عليكِ محتواها."

نظرت إيزابيلا بشك: "ولماذا يجب أن أثق بكِ؟"

اعترفت أوليفيا بصدق بارد: "لا يجب عليكِ ذلك. لكن هذه هي طبيعة المقامرة، أليس كذلك؟ تخاطرين بكل شيء لتري إن كنتِ ستكسبين أم تخسرين. إذاً إيزابيلا... ما هي خطوتكِ؟"

مدت أوليفيا يدها. تردد إيزابيلا، فأوليفيا ليست امرأة تُؤتمن، لكنها الوحيدة التي تملك مفاتيح سجن والدها. مدت يدها بتوجس وصافحت أوليفيا.

"حسناً. اتفقنا. لكن لا تنسي وعدكِ — ستأخذينني لرؤية والدي."

ابتسمت أوليفيا ببرود: "بالطبع سأفعل. وحتى ذلك الحين، يا شريكتي."

خرجت أوليفيا، تاركة إيزابيلا غارقة في شكوكها، ترتجف وهي تهرع نحو صندوق مجوهراتها، وعقلها يتساءل: كيف أخذتها؟ وكيف عرفت أصلاً؟

#

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة