الفصل (2) Sea Monster Stew,

 


## الفصل الثاني: القرصان والماشية

إن القراصنة بطبيعتهم فئة بربرية متعطشة للنهب والدمار، لكن قراصنة «كروكوس» كانوا مختلفين؛ إذ كانوا يجدون متعة خاصة في إعادة الحرية إلى العبيد والمخطوفين، وكأن كبرياء القرصان العظيم في جوف قائد تغلبت على الغرائز الوحشية التي تفرضها البحار.

حتى إن القبطان «هاوك» مد يد العون إلى سفينة العبيد التي اختُطفت على متنها الطفلة «بيتشي»، وقام بإنزال عشرات العبيد البشر بأمان على أرض جزيرة (سانشاكريت).

ولكن، وعلى الجانب الآخر، كان يتم قطع رؤوس العبيد من "الوحوش البحرية" على الفور ودون تردد! بل إن بعض تلك الوحوش كان يُلقى بها داخل خزانات زجاجية ضخمة مثل أسماك الزينة؛ وكان هؤلاء ينتمون إلى سلالة «الميرمان» (حوريات وحراس البحر)، والذين يُعتبرون في نظر البشر بمثابة التجسيد والمثال الأكبر لـ "وحوش البحر ذات الهيئة البشرية".

علق القبطان هاوك وهو يتأمل برضا الحوريات المحبوسات داخل الخزان الزجاجي الكبير: "سيكون من الممتع والمصلي إطلاق أسماك القرش هنا بالداخل"، ثم التفت بنظراته نحو بيتشي الواقفة بجانبه وكأنه يطلب رأيها: "أليس كذلك؟"

طأطأت بيتشي رأسها بعمق، محاولةً بكل قوتها تجنب تلافي النظرات مع أولئك الحوريات؛ فقد تعرض بعضهم للجلد العنيف على متن سفينة العبيد حتى تمزقت زعانف ذيولهم، ومع كل حركية وبسطة لذيولهم، كانت الدماء الحمراء تتدفق وتتلوى وسط المياه.

وعندما ارتجفت بيتشي وأشاحت بنظرها بعيداً، نقل القبطان هاوك سؤاله إلى ذلك الفتى المستعبد ذي الشعر الرمادي والواقف بجانبها بهيئة متراخية. أجاب الفتى، الذي كان يتثاءب بكسل، بنبرة ملأها الملل: "أسماك القرش على الأرجح ليست صعبة الإرضاء عندما يتعلق الأمر بمذاق طعامها".

ضحك هاوك وسأله: "ولكني سمعتُ أن لحم الحوريات لذيذ وشهي للغاية؟"

فرد الفتى وهو يرمق القبطان بنظرة اشمئزاز واحتقار: "لماذا قد يأكل المرء شيئاً يشبه البشر؟ هذا مقزز حقاً".

انكمشت بيتشي المحشورة بينهما بذعر وخوف. وهنا تدخل بحار وهو يدحرج برميلاً من خشب البلوط قائلاً: "من المؤسف عدم وجود ذكور من الحوريات هنا يا قبطان؛ لقد سمعتُ أن الذكور الصغار نادرون للغاية ويساوي ثمنهم ضعف الإناث".

"أوه؟ الذكور أغلى ثمنًا؟"

أجاب البحار: "يقولون إنهم إذا تزاوجوا مع نساء بشريات، فهناك احتمال كبير لإنتاج نسل من الحوريات البالغي الجمال، لذا يتم بيعهم بأسعار فلكية لأغراض التكاثر والنسل فقط".

انتفضت بيتشي جافلة عند سماع كلمة "التكاثر والنسل". وفي هذه الأثناء، عقد الفتى الرمادي حاجبيه ووجه نظرة حادة وقاتلة نحو البحار قائلاً: "هذا سخف وهراء! كيف لمخلوق يملك الجزء السفلي لسمكة أن يتزاوج مع امرأة بشرية؟"

ضحك البحار الشاب وقام بإيماءة بذيئة بخصره ملمحاً إلى منطقة عورته: "لقد سمعتُ أنه عندما تعيش الحوريات على اليابسة، تنمو لها أرجل ويظهر لها... (هذا الشيء)".

أطلق القبطان هاوك صوتاً مستنكراً وقام بسرعة بتغطية عيني بيتشي بيده: "ألا تخجل من القيام بهذه الحركات الفاضحة أمام الأطفال؟"

استمعت بيتشي بغير وعي إلى حوارهم بينما كانت تتأمل الحوريات في الخزان؛ فكلام البحار كان نصفه صحيحاً ونصفه خاطئاً.

فبين وحوش وحوريات البحر، كانت هناك سلالة نادرة جداً تملك القدرة على التحول بالكامل إلى هيئة بشرية والاستقرار على اليابسة؛ وكان والد بيتشي واحداً من هؤلاء! ورغم أن بيتشي ولدت من اتحاد والدها بامرأة بشرية، إلا أنها لم ترث ذيلاً جميلاً، بل بدت بشرية تماماً على السطح.

سأل البحار مشيراً بذقنه نحو بيتشي والفتى الرمادي: "بالمناسبة يا قبطان، لماذا أبقيت على هذين الاثنين  وسحبتهما مجدداً للسفينة؟ ألم تترك جميع العبيد الآخرين ينزلون في جزيرة سانشاكريت؟"

كان هذا هو السؤال ذاته الذي يراود عقل بيتشي؛ فلماذا تم استثناؤهما؟ وقبل النزول بلحظات، قبض القبطان على كتف الفتى وعليها، وأعادهما دون تفسير.

*«هل يعقل أنه اكتشف بطريقة ما أنني هجين ونصف وحش؟»* ابتلعت ريقها بتوتر.

لكن هاوك ابتسم بلطف وقال: "لا زال لديّ عمل خاص مع هذه الآنسة الصغيرة"، وأطلق صوتاً مازحاً وعيناه تجولان فوق فستان بيتشي الأخضر، فطأطأت رأسها خوفاً ورعباً.

هنا رمق الفتى الرمادي القبطان بنظرة حادة وعقد حاجبيه مدافعاً: "قبطان... أرجو ألا تكون لديك نوايا سيئة أو غير لائقة تجاه طفلة صغيرة؟ إن سحب طفلة إلى فراشك سيجلب عليك لعنة وغضب آلهة البحر".

"أيها الصعلوك الصغير! هل تتهمني بأنني منحرف وسافل؟" صاح القبطان هاوك ووجه لكمة مازحة نحو مؤخرة رأس الفتى، لكن الفتى تفاداها بخفة، وقبض على معصم بيتشي قائلاً: "لنعد الآن".

اتسعت عينا بيتشي وهي تُسحب خلفه وسألت: "إلى أين؟..."

فأجابها: "إلى مقصورة الطاقم. لقد سئمتُ من تسلية هؤلاء العجائز الذين تفوح منهم رائحة السمك".

سار الفتى بخطوات سريعة يقودها خارج مستودع البضائع، وتناهت إلى مسامعهما كلمات البحار الأخيرة للقبطان: "قبطان! هل رأيت (كيزا)؟ إنه مختفٍ منذ أيام". فاجابه هاوك: "ربما يتكاسل في مكان ما، دعه وشأنه".

قاد الفتى بيتشي إلى أعماق سفينة القراصنة، ودخلا مقصورة طاقم واسعة تصطف فيها الأراجيح الشبكية المخصصة للنوم. كان هذا هو المكان الذي مكثا فيه ليومين مع الأطفال الآخرين بعد إنقاذهم، والآن رحل الجميع وبقيا بمفردهما في الغرفة الكبيرة.

أفلت الفتى معصم بيتشي وسألها وهو يتجه نحو الأراجيح: "لماذا في ظنكِ أبقانا القبطان هاوك؟"

تأملت بيتشي بهدوء ملابس الفتى؛ كان يرتدي قميصاً أبيض ناصعاً من الكتان ذو ياقة منشاة، وبنطالاً قطنياً أسود فضفاضاً، وحذاءً جلدياً طويلاً يصل لأسفل ركبتيه. ورغم بساطة ملابسه، إلا أن وجهه الجميل وشعره اللامع جعلاه يبدو كأحد النبلاء الأثرياء، كما أن حزامه الجلدي كان يبدو باهظ الثمن وعالي الجودة.

أجابت بيتشي بخفوت: "... ربما يخطط لطلب فدية مالية من والدينا؟"

سخر الفتى واستلقى فوق الأرجوحة الشبكية قائلاً بثقة: "القبطان هاوك ليس من النوع الذي يهدد المدنيين من أجل المال"، وتنم نبرته عن ثقة عميقة في القبطان.

راقبته بيتشي وهو يغلق عينيه بهدوء وفكرت: *«... كيف يمكنه أن يكون هادئاً ومرتاحاً هكذا؟»*. فمنذ اليوم الأول الذي قدموا فيه أنفسهم للأطفال الآخرين، كان هذا الفتى متميزاً؛ كان طويلاً، وسيماً، وحتى القبطان هاوك نفسه ذهل عندما رآه أول مرة.

تمتمت بيتشي بضيق: "ألا تشعر بالخوف؟ لقد تم أسرنا واحتجازنا مجدداً".

رد الفتى دون أن يفتح عينيه: "هل تظنين أنهم سيأكلوننا مثلاً؟ بدلاً من القلق الزائد، اذهبي لتنامي". ثم أدار ظهره لها معلناً نهاية الحديث. رمقت بيتشي ظهره المستفز بغيظ، واتجهت نحو زاوية الغرفة.

زحفت تحت بطانية قديمة مفروشة على الأرض ودفنت وجهها في الوسادة، لتبدأ الدموع التي حبستها في الانهمار على وجنتيها. ومع تحطم أملها في العودة لعائلتها، شعرت بإحباط لا يوصف، ولم تفلح جولة القبطان في السفينة في تشتيت حزنها.

"آه..." راحت تـبكي بنحيب خافت وهي تنكمش كالكُرة، متمنيةً لو كانت بين أحضان والديها الدافئة. وبينما سحبت الغطاء فوق رأسها وأغلقت عينيها بإحكام، اخترق صوت مليء بالانزعاج غطاءها.

"ما الذي تفعلينه؟ لقد زاد الأمر عن حده!"

اتسعت عينا بيتشي المحمرتان، واسترقت النظر من تحت الغطاء؛ لتجد الفتى واقفاً بشموخ ينظر إليها من الأعلى.

سألها بنبرة جافة خالية من المشاعر: "لماذا تبكين؟ هل تبكين لأنكِ خائفة من القراصنة؟"

كان صوته الجاف يفتقر لأي دفء، وبدا تعبير وجهه وكأنه فعلاً لا يستوعب سبب دموعها. تطلع إلى وجهها الشاحب لبرهة، ثم جلس فجأة على الأرض العارية إلى جوارها.

وقال: "إذا كنتِ خائفة حقاً، فسأبقى هنا إلى جانبكِ. لذا كفي عن البكاء، حسناً؟"

رمشت بيتشي ببطء؛ وشعرت بدفء مفاجئ يهز أركان قلبها. فقبل لحظات، كانت تشعر بوحدة قاتلة في هذه الغرفة الشاسعة، لكنها أدركت الآن أنها ليست بمفردها، ووجود شخص بجانبها منحها شعوراً غريباً بالأمان والراحة.

حك الفتى رأسه بتعب تعبير ارتباك وقال: "ما المخيف اصلاً في هؤلاء العجائز الذين تفوح منهم رائحة السمك؟" وكانت نظراته نحو وجه بيتشي تحمل مشاعر معقدة ومبهمة.

وبعد لحظات من الصمت المفكر، مدد الفتى ساقيه الطويلتين واستند بظهره بارتياح على الحائط وقال: "هل ترغبين في لعب لعبة الألغاز؟"

"لغز؟"

"الألغاز مثالية لتجفيف الدموع والتوقف عن البكاء. هيا، اعتَدلي في جلستكِ".

اتخذ صوته نبرة أكثر نعومة؛ ويبدو أن هذه كانت طريقته الخاصة لمحاولة الترويح عنها ومواساتها. اعتدلت بيتشي في جلستها واستندت إلى الحائط بجانبه.

بدأ الفتى ذو الشعر الرمادي يتحدث ببعض التفاخر: "استمعي جيداً؛ هذا هو اللغز الأكثر شهرة في مسقط رأسي... كان هناك زوجان يبحران معاً في عرض المحيط الواسع".

سألته: "بمفردهما فقط؟"

تابع: "استمعي فحسب؛ طالت رحلتهما البحرية أكثر مما ينبغي، ونفد كل الطعام والزاد الذي أعدّاه. وبسبب الطوى والإنهاك الشديدين، استردت الزوجة قوتها بصعوبة بالغة بعد تناولها حساء لحمٍ أعده لها زوجها".

توقف الفتى لبرهة، واتسعت ملامحه بتعبير مهيب وجاد، ثم أردف: "ولكن، وما إن انتهت من حديثها مع زوجها، حتى ألقت بنفسها فوراً في عرض البحر".

وسألته بيتشي: "…… هل أنهت حياتها بيديها؟"

فأجاب: "ربما. والآن، أخبريني... لماذا في ظنكِ ألقت بنفسها في البحر؟"

خيم صمت قاتل ورهيب على أرجاء الغرفة، وانتظر الفتى بتمهل وبساطة إجابة بيتشي. وراحت بيتشي تدير عينيها بتفكير قبل أن تكسر الصمت بحذر: "لقد قلتَ إن الطعام قد نفد منهما، إذن من أين جاء لحم الحساء فجأة؟"

ابتسم الفتى وقال: "مهما كانت الأسئلة التي ستطرحينها، يمكنني الإجابة عنها بـ (نعم) أو (لا) فقط".

أمالت بيتشي رأسها وقالت: "هل الزوج... حصل على لحم الحساء من وسط المحيط؟"

"صحيح".

"هل سألت الزوجة زوجها عن مكونات الحساء وصُدمت من الإجابة؟"

هز الفتى رأسه تأكيداً. غرقت بيتشي في تفكير أعمق؛ فمن الواضح أن الزوجة قررت الموت بسبب حقيقة المكونات، وقفزت إلى عقلها فكرة مرعبة ومقشعرة: "هل... اختفى جزء من جسد الزوج بعد إعداد الحساء؟ (هل أعده من لحمه الخاص؟)"

سألها الفتى: "هل تسألين إن كان قد صنع الحساء من لحمه وجسده؟"

"نعم".

فأجاب: "لا، جسد الزوج كان سليماً ومعافى تماماً بالكامل حتى بعد إعداد الحساء".

إذن لم يكن الأمر يتعلق بأكل لحوم البشر! تنفست بيتشي الصعداء بارتياح. لكن الغموض ظل قائماً؛ ما هو المكون الفظيع والرهيب الذي قد يدفع شخصاً لإنهاء حياته فوراً بمجرد معرفته؟

تطلع الفتى إليها وهي غارقة في حيرتها وتفكيرها، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة، وانحنى بجسده قليلاً نحوها وخفض صوته إلى همس غامض:

"سأخبركِ بالإجابة فحسب... الحساء الذي أطعمه الزوج لزوجته... كان مصنوعاً من لحم وحش بحري".

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة