الفصل (2) سوء حظي هو أنني أحببتك - The Misfortune of Loving You,
## **الفصل الثاني**
قطع الهواء صوت صرير معدني حاد ومزعج.
تصلبت "ديلنيا" في مكانها، وعجزت عن التقاط أنفاسها، وكذلك فعلت صوفي.
"الهروب يعني الاعتراف بالذنب، على ما أظن."
"مهلاً.. روان........"
تمتمت صوفي باسمه بلسان متعثر، وحاولت أن تبدو ودودة لتنفض عن كاهلها غبار الخوف الذي تملكها.
لكن روان، بدلاً من غمد سيفه، راح يحدق فيهما بنظرات حادة وشرسة. للحظة، شعرت ديلنيا أن نظرته كانت أمضى من شفرة السيف الذي يحمله.. وكأنه مستعد لطعنها في أي لحظة.
"من الأفضل لكِ ألا تتمردي بلا فائدة."
لم يكلف نفسه عناء شرح ما سيحدث إن فعلت، لكن كلماته كانت كافية لتشلّ حركتها تماماً.
"على أي حال، لم يعد هناك أحد لإنقاذكِ."
في تلك اللحظة، ضربت صرخة ديلنيا مسمعها كالصاعقة؛ كان صوت الصبي الصغير الذي تسمعه في كوابيسها كل ليلة. ركزت عيناها المرتجفتان عليه مجدداً. نقطة ضعف "ديلنيا إيبرن" الوحيدة، وسيد كوابيسها.. كان هو.
يا للأسف، لقد حان دورها لتُخنق بيده.
انسحبت القوة من جسدها في اللحظة التي صدمتها فيها هذه الحقيقة المريرة، وبدأت رؤيتها التي كانت مثبتة عليه تتأرجح ببطء.
"سيدتي!"
أغمضت ديلنيا عينيها وهي ترى قبضة صوفي القوية تحاول إسنادها، ثم غرق العالم في السواد.
كان العالم يدور حولها وكأنها تحت الماء، ومن هذا الشعور وحده، أدركت ديلنيا أنها غرقت في الحلم مجدداً.
«إذا وفيتِ بوعدكِ، سأفكر فيما قلتِه في المرة الأخيرة..»
تردد صوت الصبي الصغير في أذنيها. ذلك الوجه الذي رأته مراراً في أحلامها دون أن تستطيع رسم ملامحه بوضوح، كان مجرد صورة ضبابية.
«نعم.. أعدك.»
لو استطاعت فقط أن تمنع لسانها من نطق وعود لم تستطع الوفاء بها!
«لقد وعدتِني.. لماذا..!»
تلاشت الصرخات تدريجياً خلفها. ومهما صرخت بأن عليها العودة لمواجهة ذلك الاستياء، لم يستجب جسدها كالعادة. وفجأة، توقفت وكأن شيئاً ما اعترض طريقها. رفعت رأسها لتجد ما ظنته جداراً عملاقاً يتخذ هيئة رجل.
"هل تحاولين الهرب؟"
فتحت ديلنيا عينيها فجأة، وكأنها طُردت من الحلم. وقبل أن تستعيد وعيها بالكامل، سرى الألم في جسدها وكأنها تعرضت للضرب.
"آه............"
"آنستي، هل استيقظتِ؟"
أطلقت أنيناً خافتاً، فجاءها صوت مألوف على الفور: "صوفي".
بحثت عينا ديلنيا عن صاحبة الصوت، بينما كان العالم لا يزال يهتز في نظرها.
"ماذا يحدث........"
اتسعت عيناها وهي تحاول النهوض عن الأرضية، لتجد شخصاً مستلقياً بجانبها.
"أمي؟"
"احذري ألا تلمسي ماريان يا آنستي، حرارتها لم تنخفض وأقل لمسة تؤلمها بشدة."
قالت صوفي بقلق وهي تقلب المنشفة المبللة على جبين ماريان. تراجعت ديلنيا للخلف، وشعرت باهتزازات العربة تحتها. لم تستطع تمييز الكلمات، لكنها أدركت أنهن في عربة الآن.
"ماذا يحدث؟ لماذا نحن هنا؟"
"لا تتحدثي الآن. ليلة أمس قام الجنود بنقل الجميع إلى العربات، بدءاً من الكونت.. يا له من وضع مزرٍ!"
"ماذا؟"
ذعرت ديلنيا من كلمات صوفي، وتذكرت بوضوح تلك النظرات المتجمدة التي رأتها قبل أن تفقد وعيها. لم يكن كابوساً إذاً.
هدأت أنفاسها وسألت: "هل تعرفين إلى أين نحن ذاهبون؟"
"لست متأكدة، ولكن من حديث الجنود يبدو أننا متجهون إلى العاصمة."
شحب وجه ديلنيا أكثر؛ فالعاصمة هي نفوذ الإمبراطور لا البحرية. وتدخل الإمبراطور يعني أن جرائم الكونت ليست هينة.
"لكن ما يهم الآن هو حالة ماريان؛ ستموت قبل أن نصل لأي مكان. لا أعرف حقاً ماذا أفعل يا آنستي."
بكت صوفي وهي تنظر بقلق لماريان. فصوفي كانت مربية ديلنيا، لكن قبل ذلك كانت المسؤولة عن ماريان، وبسبب ضعف ماريان الجسدي، كانت ديلنيا دائماً تأتي في المرتبة الثانية عندما تمرض والدتها.
كانت العربة خشبية قديمة، لا تصلح حتى لنقل البضائع؛ أرضيتها المهترئة تصدر صريراً وتنبعث منها رائحة الخشب المتعفن، ونوافذها القليلة محاطة بقضبان حديدية. الأرضية التي تستلقي عليها ديلنيا وماريان لم تكن سوى قماش صوفي رقيق فوق كومة من القش.
أمام هذا الوضع المأساوي الذي يولد المرض من العدم، نهضت ديلنيا بعزم: "انتظري لحظة."
توجهت نحو القضبان ونادت الجندي المرافق للعربة: "أوقف العربة فوراً."
"هاه؟" اتسعت عينا الجندي عندما رآها قد استيقظت.
أعادت ديلنيا أمرها بنبرة صارمة: "أوقف العربة الآن، واذهب وأخبر الرائد (الميجور) أنني أريد رؤيته."
توقف الجندي حائراً، وسرعان ما توقفت العربة تماماً. رمقت ديلنيا صوفي بنظرة سريعة، ورتبت ثيابها، وشدت كتفيها، وأخذت نفساً عميقاً لتهدئة أعصابها.
«تماسكي.»
الرجل الذي ستواجهه الآن ليس "روان" الذي تعرفه.
لكي تقنع نفسها بذلك، استرجعت ما تعرفه عن الرائد "بارتيز". لم يكن الأمر صعباً، فسمعته ملأت أرجاء الإمبراطورية: **"روان بارتيز"**، أول عامي ينال لقب فارس ويُرقى لرتبة رائد لدوره في سحق قراصنة مملكة "دالوس". مستقبل البحرية ومعبود الجماهير.
عندما رأت ديلنيا اسمه في النشرات الإخبارية سابقاً، لم تربطه بـ "روان" الذي تعرفه؛ فاسم روان شائع، ولم يكن يملك لقب "بارتيز" الذي منحه إياه الإمبراطور. روان الذي تعرفه كان مجرد "روان"؛ صبي نحيل وحذر كان عليها دائماً التودد إليه حتى يثق بها.
«لا، هو الرائد بارتيز، وليس روان.»
صرخت في نفسها لتثبت قلبها الضعيف. سمعت ضجيجاً بالخارج، ثم انفتح باب العربة. خرجت ديلنيا بكل قوتها، لتقع عيناها مباشرة على الرجل الذي يقف أمامها كالجدار الحديدي؛ الرجل الذي سكن كوابيسها، والذي كان جميلاً وبارداً بشكل مرعب.
"ماذا تريدين؟"
كان صوته العميق بارداً بشكل مخيف، لكنها رفعت رأسها لتواجهه. لم يعد هو روان الذي عرفته، مهما بدت عيناه الزرقاوان كأصفى مياه العالم. ثبتت نظراتها في عينيه وقالت أخيراً:
"لدي طلب من الرائد."
"طلب؟"
"أولاً، أريد استدعاء طبيب لمعالجة الكونتيسة، فحالتها لا تتحسن. وثانياً، أريد استبدال هذه العربة بأسرع وقت، فكما ترى، هي لا تليق بمريض."
أنهت ديلنيا حديثها وهي ترمق العربة المتهالكة بنظرة ازدراء. كانت لهجتها "أمراً مهذباً" أكثر منها مجرد شكوى. قطب روان حاجبيه، ولم يحاول إخفاء انزعاجه:
"هل أنتِ متأكدة أن هذا طلب وليس أمراً؟"
"لأنه أيضاً طلب مشروع.. أنا أطلب فقط أن نُعامل بما نستحقه."
رغم أنها كانت تواجه رجالاً أقوى منها بكثير، إلا أنها لم تتراجع. تبادل الجنود نظرات مندهشة من القوة التي تنبعث من جسدها الصغير.
لكن روان استخف بها وكأن الأمر تكرر كثيراً:
"لا أعلم حقاً.. لو كنا نعامل المذنبين بما يستحقونه، لكان حالكم أسوأ بكثير مما هو عليه الآن."
**

تعليقات
إرسال تعليق