الفصل (2) لنمنع المسار المدمر مسبقاً! | Let's Block the Ruined Route in Advance,
مرت ثلاثة أشهر على وجود كورديليا في دار الأيتام. كان يوماً عادياً، بدأت فيه إيلين بترتيب الأغطية بمجرد استيقاظها، بينما كانت رائحة إفطار "غايل" تتصاعد من الطابق السفلي.
"أعتقد أن هذا أول سمك مطهو على البخار أحصل عليه منذ وقت طويل!"
قفز أحد الأطفال بحماس، فابتسمت إيلين وهي تغادر الغرفة برفقة كورديليا.
"مينا لطالما كانت من عشاق السمك."
"ألا تحبين السمك يا إيلين؟"
"صباح الخير يا أمي الرئيسة. السمك؟ لا أحبه ولا أكرهه، إنه عادي بالنسبة لي."
قالت إيلين ذلك بلا مبالاة وهي تلتفت نحو كورديليا وتأخذ قضمة من فيليه السمك. وفجأة... "آه!"
داهمتها ومضة من ذكريات مستقبل الرواية الأصلية، حيث كانت حياتها قد انتهت بشكل مأساوي.
"كورديليا، لقد أنقذتِ حياتي، يجب أن تتحملي المسؤولية."
قال رجل وسيم ذو ملامح حادة وشعر داكن كان يجلس مقابلها.
"توقف عن هذا..."
غطت كورديليا وجهها بيديها وهي تلهث. بعد لحظة، أنزلت يديها وكان وجهها محمراً من الغضب.
"لقد سئمت! لقد فعلتُ كل ما طلبتَه، ولبّيتُ كل نزواتك، ولعبتُ ألعابك اللعينة، والآن تجعلها هي..."
سقطت ملامح الرجل وهو يراقب ثورة كورديليا. كان قد أمضى وقته بملل يراقب تساقط الثلوج خارج النافذة، لكنه تحدث بهدوء حين هدأت:
"هي لم تكن تستحق أن تكون صديقتكِ، انظري كيف أصبحت وضيعة من أجل بضعة قروش."
"ومن أعطاك الحق لتقرر ذلك!"
صرخت كورديليا، ثم انهارت على الطاولة باكية. "أنت فظيع يا لوسيان إيلريك غوديوم..."
عانقها لوسيان من الخلف بهدوء وقال: "أعلم. وأنا أحبكِ أيضاً يا كورديليا."
لم يتردد في الأرجاء سوى صوت العاصفة الثلجية، بينما صمتا في حالة من اليأس والجنون.
"...ميت."
"إيلين؟"
إيلين، التي لم تمضغ حتى نصف قطعة السمك قبل أن تبتلعها بصعوبة، اصطدمت رأسها بالطاولة بقوة.
"إيلين؟! هل أنتِ بخير؟"
كانت هناك رؤيتان للمستقبل في هذه الرواية الأصلية بالنسبة لإيلين؛ الأولى هي كورديليا البالغة تتحدث مع رجل يدعى "لوسيان"، الذي يفوح منه جنون مطبق وسط عاصفة ثلجية. أما الثانية...
"إنه قادم يا كورديليا!"
"ماذا؟"
بداية النهاية. صرخة لا توصف دارت في أحشاء إيلين. كان المستقبل الثاني الذي رأته يبدو قريباً جداً.
لوسيان. الوريث الوحيد لدوقية "غوديوم" الموقرة، والمجنون الذي سيرد الجميل للمحسنة التي أنقذت حياته.
"أولاً، اشربي بعض الماء!"
سارعت كورديليا، التي ذعرت لرؤية صدر إيلين يضطرب، بتقديم كوب من الماء. تجرعته إيلين محاولة استعادة توازنها.
*‘اهدئي يا إيلين. هذا المستقبل لا يزال مفصلاً بما يكفي، وتجنبه قد يكون أسهل مما تظنين.’*
لحسن الحظ، لم يولد لوسيان مجنوناً. في هذا العالم، السحر ينتشر كالغلاف الجوي، لكن هناك أماكن تتركز فيها الطاقة تسمى "التداخل" (Overlap)، وهي مسؤولة عن الغرائب كالغابات التي يضل فيها الناس أو الأخاديد التي تسمع فيها أصوات الموتى.
*‘المشكلة هي أن لوسيان سيعثر على البحيرة.’*
لوسيان، الذي كان طبيعياً، سيبحث عن البحيرة لأن الأساطير تقول إنها تحقق الأمنيات، وذلك لإنقاذ والدته المريضة. لكن البحيرة لا تملك هذه القوى، بل ستهاجمه "شيطانة" ولدت من بقايا حصان ميت في البحيرة. وعندما ستوقظ كورديليا قواها العنصرية لإنقاذه، ستبدأ المأساة.
*‘أشعر بالأسف تجاهه، لكن أن يتحول ألمه إلى هوس بكورديليا فهذا تجاوز للحدود!’*
بعد أن فقد الشخص الذي أحبه بسبب أخطائه، سيصاب لوسيان بهوس مرضي بكورديليا، المرأة التي رآها قبل أن يفقد وعيه تحت الماء.
*‘يجب أن تبقى على قيد الحياة أولاً.’*
لن تسمح إيلين أبداً لكورديليا بالاقتراب من البحيرة. قد يموت لوسيان، لكن كورديليا وأطفال دار الأيتام أهم لديها من أي غريب لا تعرفه.
"إيلين، هل أنتِ بخير الآن؟"
سألت كورديليا بقلق، فأومأت إيلين.
"نعم، أنا بخير."
كانت هذه فرصتهم الأولى لتجنب طريق الدم.
في تلك الليلة، كانت "آن" في مزاج سيئ للغاية.
"إيلين كانت صديقتي المفضلة..."
كانت "آن" تشعر بالغيرة من كورديليا لأنها أصبحت تقضي كل وقتها مع إيلين. كانت كورديليا تتغير 180 درجة؛ فهي لطيفة مع إيلين، ولكنها تصبح باردة وجافة مع الآخرين.
في تلك الليلة، أمسكت "آن" بذراع إيلين وهتفت: "سأنام معها الليلة!"، فردت كورديليا التي أمسكت بالذراع الأخرى بلهفة: "وأنا أيضاً أريد النوم بجانب إيلين."
تنهدت إيلين بضيق: "ما خطبكما فجأة؟"
لم تكن إيلين تريد النوم مع أي منهما، فالسرير لا يتسع. وفجأة، لمعت فكرة في رأسها.
في اليوم التالي، صرخت "غايل" حين رأت الأطفال يقلعون الجزر في الفجر: "يا أطفال، لماذا تعملون في هذا الوقت؟!"
ردت إيلين وهي تهتز على كرسيها الهزاز: "اتركيهم، إنهم يحاولون كسب 'نقاط الثناء'."
"نقاط الثناء؟ ما هذه؟"
"شيء للأطفال الأكثر نشاطاً."
لقد ابتكرت إيلين حيلة: من يقوم بأكبر عدد من الأعمال الصالحة سيحظى بشرف النوم بجانبها. وهكذا، تحول المنزل إلى خلية نحل من النشاط؛ ترتيب الحديقة، غسل الملابس، ومساعدة الأطفال الآخرين.
في المساء، كانت الغرفة هادئة، والأطفال نائمون متشابكين. نظرت "غايل" إلى إيلين بابتسامة وقالت: "ليلة سعيدة يا إيلين."
ردت إيلين: "ليلة سعيدة يا أمي الرئيسة."
بعد أن ذهب الجميع للنوم، ظلت إيلين مستيقظة. الخوف من المستقبل المجهول كان ينهش قلبها.
*‘هل ما رأيته هو المستقبل الحقيقي؟ هل سيموت الجميع؟’*
"إيلين."
نادت كورديليا بصوت خافت. كانت مستيقظة وتحدق فيها بعيون تشبه بحر الليل المقمر.
"ألا تستطيعين النوم؟"
"قليلاً. بماذا تفكرين يا إيلين؟"
نظرت إيلين إلى كورديليا وقالت بحذر: "العالم قاسي يا كورديليا، وهناك الكثير من المجانين الذين سيؤذونكِ إذا منحتِهم اهتمامك، لذا كوني قوية."
"هل تحب إيلين الأشخاص الأقوياء؟"
"الأهم من القوة هو صحة العقل والجسد..."
قاطعتها كورديليا وهي تعانقها بقوة: "إذن سأصبح قوية جداً! وسأزيل كل مخاوفك!"
*‘لا.. أنتِ ستصبحين قوية فعلاً، لكنكِ ستدمرين كل شيء في النهاية.’*
ابتلعت إيلين غصتها وقالت: "مهمم.. شكراً لكِ."
ثم غطت إيلين في نوم عميق، وآخر ما رأته قبل أن تغمض عينيها هو ابتسامة كورديليا المشرقة، التي كانت تخفي وراءها ظلاماً غامضاً ومزيجاً من المشاعر المرة والحلوة.

تعليقات
إرسال تعليق