الفصل (1)



## الكلاب بين الورود الذابلة - الفصل الأول

**【 إنه خطئي.. كله خطئي 】**ا

كانت مأدبة الغداء التي تلت قداس الأحد هادئة وادعة.

ما إن فرغت "برينيس" من طبق "اللازانيا" الغني بصلصة "البولونيز" الدسمة، حتى سارع أحد طهاة المطبخ — وكأنه كان يترقب اللحظة — بتقديم طبق من سمك "الهلبوت" الملفوف بورق القصدير. وفور فتحه بعناية، انبعث منه البخار الدافئ ليكشف عن وجبة "كارتوشيو" سخية تعج بالمكونات الشهية.

على الرغم من أن معدتها كانت قد امتلأت بالفعل من اللازانيا، إلا أن رائحة التوابل المميزة القادمة من "لينفيرنو" وبياض لحم السمك المغري جعلا لعابها يسيل من جديد. لم يكن بوسعها تجاهل الأمر حتى وهي تشعر بالشبع، تقديراً لجهد الشيف الذي قضى صباحه في إعداد مأدبة الأحد.

وعندما تلاقت عيناها مع الشيف "فرانشيسكو" وهو يخرج من المطبخ، ارتسمت على وجهها تلقائياً ابتسامة مشرقة، بادلها إياها "فرانشيسكو" بابتهاج صادق؛ فقد مر أسبوعان كاملان منذ آخر زيارة لـ "برينيس" لقصر عائلة "فالنتيرا".

كان الأمر مفهوماً، فمن المؤكد أن الشيف سئم رؤية وجوه رجال العصابات والمديرين التنفيذيين ذوي الملامح القاسية ليل نهار. ومنذ أن انتقلت "برينيس" للعيش بمفردها في شقة "البنتهاوس" التي استأجرتها مطلع العام، لم تكن تظهر في القصر إلا في قداديس الأحد ومآدب الغداء، ما لم يطرأ أمر جلل.

لو كان الأمر بيدها لتهربت منها جميعاً، لكن حتى بالنسبة لـ "برينيس"، كان من الصعب تجاهل مناسبة يحضرها كبار قادة عائلة "فالنتيرا".

لذا، ما الذي كان عليها فعله؟ كان لزاماً عليها الحضور بانتظام.

وبصفتها الشقيقة الوحيدة لـ "ريكاردو أنجيلو فالنتيرا" — الزعيم الثاني للعائلة — والمحاسبة المسؤولة عن إدارة أموالهم، قامت "برينيس" بدورها على أكمل وجه؛ فقطعت قطعة كبيرة من سمك "الهلبوت" ووضعتها في فمها، لتكون عند حسن ظن "فرانشيسكو" وتوقعاته المتلهفة.

وفي اللحظة التي رفعت فيها إبهامها للشيف علامةً على إعجابها، تجمدت يدها وهي تمضغ السمك ببطء. كان السبب هو تلاقي نظراتها مع نظرات رجل كان يقف بجانب "فرانشيسكو" يتبادل معه حديثاً قصيراً.

كان الأمر مباغتاً.. وغير متوقع بتاتاً.

بينما استدار "فرانشيسكو" عائداً للمطبخ بابتسامة دافئة، ظلت "برينيس" مسمرةً بنظراتها نحو ذلك الرجل، الذي واصل مراقبتها دون حراك. بدأت الابتسامة التي كانت ترتديها كقناع تتلاشى تدريجياً، فرغم كثرة العيون من حولها، وجدت صعوبة في الحفاظ على تزييف ودها المعتاد.

*ما هذا؟ ومن الذي استدعاه إلى هنا؟*

ألقيت "برينيس" نظرة خاطفة نحو زعيم عائلة "فالنتيرا"، "ريكاردو"، ونائبه، والمستشار، والقادة الذين يديرون مناطق النفوذ المقسمة.

لم تكن تدري أي منهم قد استدعى هذا الرجل، لكن وجهه لم يكن غريباً عليها تماماً. وضعت شوكتها ببطء، وارتشفت جرعة من الماء الفاتر.

لم يسبق لها أن تبادلت معه تحية لائقة، بل كانت تلمحه بضع مرات فقط أثناء تنقلها بين مقار عمل العائلة وقصر "ريكاردو"، لكنها كانت تعرف اسمه بالفعل: **إيركين لوسيو لافاييت**.

إن لم تخنها ذاكرتها، فقد كان واحداً من الـ "سولدادو" (الأعضاء الرسميين) الذين أقيمت مراسم انضمامهم العام الماضي.

لقد أثنى عليه "ريكاردو" كثيراً لدقته وتفانيه في إنجاز أصعب المهام، فضلاً عن ولائه الراسخ، حتى إنه ذكر ذات مرة أنه ما لم يحدث أمر غير متوقع، فإن "إيركين" سيصبح بلا شك "كابو" (قائداً) في غضون سنوات قليلة.

وبينما كانت تسترجع الكلمات التي سمعتها من القادة الآخرين، ضيقت "برينيس" إحدى عينيها دون وعي.

ظنت أنه سيلقي نظرة عابرة ثم ينصرف، لكن "إيركين" ظل يحدق بها وكأن كل ما يحيط به قد تلاشى. كانت عيناه النعستا — وكأنه ينظر للجموع من فوق منصة عالية — تثير في نفسها ريبة تزداد مع كل ثانية تمر.

راقبت "برينيس" بصمت تلك النظرات الباردة كبرودة مياه البحر المتجمدة، ثم خفضت بصرها نحو طبقها نصف المكتمل.

*ربما بالغتُ في الاستمتاع باللازانيا والسمك.*

لكن لا، لم يكن هذا هو السبب. فرغم جودة أطباق "فرانشيسكو"، إلا أنها لم تكن من النوع الذي يستدعي مراقبة شخص ما بهذه الطريقة.

*ليس الأمر وكأنه وقع في غرامي لأنني أبدو جميلة اليوم.. في النهاية، هذا الوجه لم يتغير منذ سنوات.*

لم تكن ترغب في الاستمرار في هذه الأفكار المتعبة أو ذلك الشعور المزعج أثناء طعامها، فانقطعت تأملاتها عندما نظرت بشكل غريزي نحو الرجل مرة أخرى، متسائلة إن كان لا يزال واقفاً هناك دون أن يأكل شيئاً.

وعندما رفعت رأسها، اتسعت عيناها قليلاً.

*هل.. هل ابتسم للتو؟*

لم تنحنِ عيناه بودّ، ولم يرتفع طرفا فمه بلين، بل كانت مجرد شدّة طفيفة عند زوايا شفتيه، بالكاد تُلحظ.

ومع ذلك، كان ذلك كافياً.

حتى دون أثر لمرح حقيقي، بدا وجهه وكأنه يبتسم بشكل ما. وفي اللحظة التي التقت فيها أعينهما مجدداً، عاد تعبيره إلى بروده المعتاد، مما جعلها تشك فيما إذا كانت قد رأت ذلك حقاً. ومع ذلك، لم تستطع "برينيس" أن تمحو من مخيلتها فكرة أنه ابتسم لها.

لو كانت هي من أشاحت ببصرها أولاً، لربما شعرت بنصر طفيف، لكنه واجه نظراتها بجرأة جعلت ذلك التعبير العابر — المتأرجح بين الابتسامة والسخرية — يعلق في ذهنها.

ظلت نظرات "إيركين" ثابتة وحادة، وكأنه يقول إن ملاحظة ارتباكها هي كل ما يهمه. وفي المقابل، ازدادت حدة عيني "برينيس"، مدفوعة بنوع من التحدي المجهول.

وبينما كانت تغرز شوكتها في قطعة من الهليون المقرمش، لم تحِد بنظرها عنه أبداً. وكلما طال التحدي، تعقدت أفكارها أكثر.

وبغض النظر عن سبب وجوده، كان هناك أمر واحد واضح: "إيركين" لم يلمحها بمحض الصدفة، بل كان يراقبها عمداً.

*لماذا هي؟ ولماذا تبادله هي النظرات؟*

تكرر السؤال في ذهنها بلا إجابة، بينما بقيت نظراتهما مشتبكة في معركة صامتة. وفي النهاية، شعرت بعبثية الموقف، فصرفت بصرها عنه بلا مبالاة وكأنها تقول له: "افعل ما يحلو لك".

ومع ذلك، وجدت صعوبة في تقبل فكرة أن استمرارها في مراقبته قد جعله يظن أنه نجح في استفزازها.

"آه، برينيس."

في تلك اللحظة، ناداها "ريكاردو"، الذي كان غارقاً في حديثه طوال الغداء مع "إميليو لامارو"، نائب الزعيم. رفعت "برينيس" رأسها وكأنها كانت تنتظر هذا النداء، وأخبرته نظرتها: *إذا كنت قد ناديتني، فتحدث.*

سألها ريكاردو: "ما هي خطتك لبقية عطلة نهاية الأسبوع؟"

"سأمر بالمكتب بعد هذا."

"في عطلة نهاية الأسبوع؟"

"ما الخطأ في العمل حينها؟ حتى فرانشيسكو يترك القداس ليعد لنا خبزنا اليومي، أليس كذلك؟"

"نقطة جيدة.. وماذا عن العشاء؟"

"مع برايان."

بمجرد ذكرها أنها ستقابل حبيبها، اكفهر وجه ريكاردو الهادئ فوراً. وعندما رأت استياءه الواضح، تقطبت ملامح برينيس هي الأخرى.

"ريكاردو، ما سر هذا الوجه؟"

"إلى متى تنوين الاستمرار في رؤية ذلك الوغد من (بريدجنت)؟"

"من يدري.. ربما حتى أملّ منه؟"

كانت ابتسامتها الرقيقة توحي ببراءة خادعة رغم ردها اللامبالي، ولم تكلف نفسها عناء إخفاء حقيقة أنها لا تعني ما تقوله.

*سواء مللت منه أم لا، هذا شأني. لماذا تفسد شهيتي بأسئلة بلا فائدة؟*

تمتمت برينيس بفتور وهي تنبش ما تبقى من السمك والبصل وشرائح الليمون. حتى لو لم يكن يحب "برايان"، فإن وصفه بـ "ذلك الوغد" كان تجاوزاً.

صحيح أن معظم أعضاء عائلة "فالنتيرا"، بمن فيهم هي وريكاردو، كانوا مهاجرين من "لينفيرنو"، لكن يبدو أنهم نسوا أنهم الآن مواطنون شرعيون في "بريدجنت". مالت برينيس برأسها وكأنها تسأله إن كان لديه المزيد من التذمر، مما جعل ريكاردو يتنهد مستسلماً.

"خذي حارسك الشخصي معك."

"سأفعل."

كانت دائماً تصطحب حارساً أينما ذهبت، لذا لم تفهم لماذا يطرح الأمر وكأنه شيء جديد. وبينما كانت تهم بإنهاء وجبتها، أضاف ريكاردو باقتضاب:

"واحد آخر."

"واحد آخر؟"

تجاهل ريكاردو سؤالها وأشار بيده بخفة. وعند إشارته، اقترب "إيركين"، الذي كان واقفاً عند باب غرفة الطعام، بخطوات وئيدة.

لم يتجه نحو ريكاردو، بل نحو برينيس.

وبنظرة ملؤها الذهول، راحت برينيس تنظر تارة إلى الرجل الذي يقف الآن خلفها كالسد المنيع، وتارة أخرى إلى ريكاردو.

"أنتِ تعرفين من هو، أليس كذلك؟ من الآن فصاعداً، سيكون إيركين مسؤولاً عن أمنكِ مع أندريه."

"لماذا؟"

"ولماذا لا؟ إنه بارع في عمله."

ضيقت برينيس عينيها. لم يكن مخطئاً، لكنه لم يكن الجواب الصحيح لهذا الموقف. بالتأكيد، هو بارع في عمله، ولهذا السبب كان مرشحاً ليكون الـ "كابو" القادم. لكن حارس شخصي؟ وفجأة؟

مجرد التفكير في الأمر كان يثير في نفسها شعوراً بالضيق.

 


تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة