قيود من حرير أسود الفصل(19) حين استفاقت الإمبراطورية على لقب ميلوفا (2)

 



في حديقة قصر كاستيلار الغنّاء، حيث تمتزج رائحة الزهور النادرة بعبق التاريخ، كانت الدوقة الأم مارغريت تجلس بوقارها المعتاد، ترتشف شاي الصباح في هدوء لا يقطعه إلا زقزقة العصافير. وضعت الكوب ببطء وهي تتأمل الصحيفة الملقاة أمامها، تنهدت بعمق وتمتمت بنبرة حملت مزيجاً من الإعجاب والضيق:

— "إنزو... أيها الشقي الماكر. طلبتُ منه نشر الخبر كهمسات بين النبلاء، لكنه لم يكتفِ بذلك بل جعله يتصدر الجرائد! يبدو أنه لا يفوّت أي فرصة لاستفزاز ثيودور وإثارة حنقه."

قاطع حبل أفكارها اقتراب أحد الخدم بخطوات متزنة، لينحني بوقار قائلاً:

— "سيدتي الدوقة الأم، الآنسة راتشيل وصلت للتو وهي تطلب مقابلتكِ."

لم تظهر مارغريت أي مفاجأة، بل اعتدلت في جلستها وقالت لـ "فايوليت":

— "أحضريها إلى هنا يا فايوليت.. كنت أعلم يقيناً أنها ستأتي."

لم تمر دقائق حتى اقتحمت راتشيل هدوء الحديقة، خطواتها السريعة تخفي خلفها عاصفة من التساؤلات. بادرَت بالحديث قبل أن تجلس، وصوتها يرتجف بحدة:

— "صباح الخير جدتي.. أخبريني، هل الخبر صحيح؟ هل تزوج ثيودور حقاً؟"

أجابت مارغريت ببرود أرستقراطي وهي تشير إليها بالجلوس:

— "نعم كما سمعتِ تماماً يا راتشيل. لقد تزوج، ألم يحن الوقت؟ لقد بلغ السن المناسب لتأسيس عائلته."

اشتعلت عينا راتشيل غيظاً وقالت بصوت متهدج:

— "لكن لماذا لم تخبريني؟ ومن هي؟ ابنة 'ميلوفا'! تلك العائلة التي لطخها الخزي.. زواجه منها سيسيء لاسم كاستيلار في كل الإمبراطورية!"

هنا، تحولت نظرة مارغريت إلى حدة الصقر، وقالت بنبرة حازمة:

— "راتشيل! أنتِ الوحيدة التي تسيئين لعائلتنا الآن بتصرفكِ الهمجي هذا. هل أتيتِ لتفرغي جام غضبكِ على رينا؟ الم يحن الوقت لتتحكمي في انفعالاتكِ؟"

حاولت راتشيل الاعتراض، لكن الدوقة الأم قاطعتها بصرامة لا تقبل النقاش:

— "رينا الآن هي زوجة دوق هذه العائلة، وعليكِ احترامها. لن أتسامح مع أي إهانة توجه لها داخل منزلي."

زفرت راتشيل بضيق وقالت بنبرة تقطر سخرية:

— "سمعتُ أيضاً أنها ستبدأ بالعمل! هل تتخيلين حجم الفضيحة؟ زوجة دوق كاستيلار، الذي تملك عائلته خزائن لا تنفد، تعمل كالأجراء؟ وفي المعهد الخاص به أيضاً؟ كم هذا مخجل!"

ردت مارغريت ببرود:

— "هذا ليس من شأنكِ يا راتشيل. لقد قبل زوجها بهذا الأمر، وهذا يكفي."

صُعقت راتشيل وتلعثمت: "ماذا؟ زوجها.. ثيو وافق؟" شعرت بأن الهواء يضيق في صدرها، لتقف فجأة وتقول: "سأذهب الآن."

— "نعم، اذهبي.. ولا تثيري المشاكل." علّقت مارغريت وهي تراقب رحيلها العاصف.

على الجانب الآخر من القصر، كان ثيودور يقرأ الصحيفة وعروق جبينه تكاد تنفجر من الغضب. لم يذكر يوماً أن الجدة طلبت من إنزو النشر في الجرائد. كان يعلم دهاء إنزو، لكنه هذه المرة تجاوز الحدود بخلقه لضجيجٍ إعلامي عوضاً عن مجرد إشاعة عابرة.

انحنى سيباستيان بجانبه وسأل بحذر:

— "دوق، هل آمر الجريدة بزيادة التفاصيل أو سحب الخبر؟"

— "لا فائدة، لقد انتشر بالفعل كالنار في الهشيم." رد ثيودور بنبرة قاتمة.

تابع سيباستيان: "دوق، وصلني من الدوقة الأم أن الآنسة رينا توجهت اليوم لتوقيع عقد عملها في المعهد."

أشاح ثيودور بنظره وقال بلامبالاة مصطنعة: "حسناً، هذا لا يهم."

في هذه الأثناء، كانت رينا تجلس داخل العربة الفاخرة، وقلبها يخفق بقوة لا علاقة لها بالخوف، بل بالأمل. كانت الدوقة الأم قد أخبرتها باستدعاء المعهد لها لتوقيع العقد. كانت غافلة تماماً عن أن اسمها يتصدر عناوين الأخبار، فقد كانت كل جوارحها منصبة على حلمها الذي بدأ يتحقق. كانت الدوقة الأم تعلم أن إنزو، رغم مكره ومرحه، هو الأكثر جدارة في إدارة العمل الجاد، لذا ائتمنته على هذه المهمة.

عندما وصلت العربة إلى مدخل المعهد، شعرت رينا بارتباك طفيف؛ فقد كان المكان "مشتعلاً" بالهمسات. الموظفون، الطلاب، وحتى المارة كانوا يتحدثون عن "زواج الدوق الغامض". تجمدت للحظة، لكنها استجمعت شتاتها عندما تذكرت أن وجهها لا يزال مجهولاً للعامة، فدخلت بخطوات رصينة متوجهة نحو مكتب المدير.

طرقَت الباب برقة، ليأتيها صوت من الداخل: "تفضلي."

توقفت رينا في مكانها فور دخولها؛ هذا الصوت لم يكن صوت المدير العجوز الذي قابلته المرة الماضية. كان صوتاً مفعماً بالحيوية، شاباً وواثقاً.

رأت أمامها رجلاً جالساً بهيبة، فقالت بارتباك: "المعذرة، لابد أنني أخطأت الغرفة.. كنت أبحث عن المدير."

ابتسم الرجل ببراعة وقال بنبرة واثقة: "أنتِ رينا بيلوفا، أليس كذلك؟"

— "آه.. نعم. أتيت بخصوص عقد العمل، كان من المفترض أن أقابل المدير لكن.."

— "أنا هو الموكل بالمعهد، تفضلي بالجلوس."

ساد الصمت للحظة، ورينا تحدث نفسها بذهول: "هل طُرد المدير القديم؟ وكيف لهذا الشاب أن يتولى هذا المنصب؟"

قطع تفكيرها قوله: "إذن آنسة بيلوفا، لماذا قد أقبلكِ في منصب حساس كالإشراف على قسم أبحاث الطلبة؟"

بدأت رينا تتحدث، واستفاضت في شرح مؤهلاتها العلمية، متحدثة عن شغفها بالأبحاث ومشاريعها التي تطمح لتنفيذها. كانت تتحدث بذكاء وسرعة بديهة أذهلت الرجل الجالس أمامها.

راقبها إنزو (الذي كان هو المدير الجديد بزيّ رسمي وجديّة غير معهودة)؛ رأى فيها ما هو أبعد من المؤهلات. رأى امرأة رزينة، جميلة بوقار، مهذبة في حديثها، وتعرف تماماً كيف تفرض حضورها دون صراخ.

أغلق إنزو الملف أمامه ببطء، ومال بجسده للأمام قليلاً وهو يتفحص ملامحها الهادئة بنظرة ثاقبة لم تستطع رينا فهم مغزاها تماماً، ثم ابتسم ابتسامة حقيقية هذه المرة وقال:

— "حسناً.. مؤهلاتكِ تتحدث عنكِ، وشخصيتكِ هي ما نحتاجه هنا فعلاً. أهلاً بكِ معنا في المعهد، آنسة بيلوفا."

"أنسة رينا يمكنكي مزاولة العمل منذ الغد " 

أشرقت عينا رينا و ردت بحماس "حسنا "

وعندما استدارت رينا لتغادر المكتب بخطوات واثقة وقلبٍ يخفق فرحاً، ظل إنزو يراقب أثرها بعينين تلمعان بالفضول. أسند ظهره إلى كرسيه الفاخر وتمتم بصوت خافت لم يسمعه أحد غيره:

"تبدو شجاعة وواثقة بشكل يثير الإعجاب.. لكن، كيف ستتصرف هذه الشجاعة أمام جليد شخصية ثيودور؟ وهل ستصمد هذه الثقة حين تصطدم بعناد الدوق الذي لا يلين؟"

ارتسمت على وجهه ملامح المترقب لدراما شيقة بدأت فصولها لتوها، وهو يعلم أن رينا بيلوفا ليست مجرد موظفة جديدة، بل هي الشرارة التي قد تحرق حصون ثيودور المنيعة أو تحترق بها.

حلّ الليل بظلاله الثقيلة على أرجاء القصر، وانتهت مراسم العشاء المعتادة مع الدوقة الأم في هدوء يشوبه الكثير من التفكير. وبينما كانت **رينا** تسير في الأروقة الطويلة المؤدية إلى جناحها، كانت تحدث نفسها بتهكم مرير:

— "لقد مرت أربعة أيام بالفعل.. أربعة أيام والدوق لم يطأ أرض الدوقية ولو لمرة واحدة. يبدو أنه اتخذ من عمله حصناً لا يغادره، أو ربما..."

توقفت للحظة، وداهمتها فكرة عابرة: "هل يتجنب القدوم بسببي؟" ثم هزت رأسها نافية وهي تبتسم بسخرية: "لا، لا أظن ذلك. من خلال ما عشته هنا وما سمعته من ضجيج حوله، يبدو أنه من نوع الرجال الذين لا يملكون حتى وقتاً للنوم، فكيف بوقته للهرب من زوجة مفروضة؟"

زفرت رينا براحة وهي تفتح باب غرفتها: "لكن، هذا أفضل على كل حال. فأن لا أرى وجه هذا الشخص الذي يُدعى زوجي، وهو بالمثل لا يراني، يوفر عليّ الكثير من التوتر."

دخلت الغرفة وكانت على وشك تبديل ملابسها لتستسلم لسريرها الفاخر الذي لم يألف جسدها نعومته بعد، حتى قطع خلوتها طرقٌ هادئ لكنه حازم على الباب.

— "حضرة الدوقة؟"

تنهدت رينا؛ تلك الكلمة "دوقة" لا تزال تشعرها بأنها ترتدي ثوباً ليس لها. قالت في سرها: "يجب أن أعتاد، رغم أني أفضل سماع اسمي المجرد." ثم أجابت بصوت مسموع: "ادخل."

انفتح الباب ليطل منه **سيباستيان**. ابتسمت رينا برقة وقالت: "أوه، سيباستيان! لقد مر وقت طويل منذ رأيتك فيه، كيف حالك؟"

أجاب سيباستيان بوقاره المعهود: "بخير، سيدتي. لقد حضر الدوق للتو، وهو يستدعيكِ لمقابلته فوراً."

تجمدت رينا لمكانها. "الدوق؟ حقاً؟" فكرت بسخرية: "يبدو أنه لم يكن عليّ ذكره في عقلي قبل قليل. كما يقول المثل: اذكر الذئب يأتيك بأنيابه!"

رغم المفاجأة، حافظت على هدوئها وقالت: "حسناً، فلنذهب."

على عكس ما قد يُتوقع من عروس في لقائها الأول بزوجها الأسطوري، لم تكن رينا مرتبكة. بل كان الفضول هو محركها الأكبر. أرادت أن ترى هذا الرجل الذي جعل من الإمبراطورية اليوم ساحة من القيل والقال. "ما الذي يجعله بهذه الشهرة؟" تساءلت في سرها، "هل هو ماله؟ وسامته؟ أم ذلك البرود الذي يصفونه به كدرع؟ أنا شخصياً أفضل أولئك الذين يمكن فتح حوار معهم، لا الأصنام البشرية."

انغمست رينا في أفكارها حتى قاطعها صوت سيباستيان الرخيم: "لقد وصلنا سيدتي، يمكنكِ الدخول."

عادت رينا إلى واقعها، لتجد نفسها تقف أمام بناية منفصلة تقع في قلب الحديقة، بعيداً عن صخب القصر الرئيسي. استغربت بشدة: "متى أتينا إلى هنا؟ لم أشعر بالطريق.. وهل هذا هو مكتبه؟ أيحب العزلة إلى هذا الحد؟"

راودتها مئات الأسئلة، لكنها أخذت نفساً عميقاً لتطرد شتات فكرها. شدّت قامتها وقالت في نفسها بتحدٍ صامت: "غير مهم.. لنرى الآن هذا الدوق الذي يهابه الجميع."

دفعت الباب الثقيل بهدوء، لتلفح وجهها رائحة ورق قديم ومزيج من عطر خشب الصندل والقهوة المرة. كان الضوء خافتاً، ينبعث من مصباح مكتبي وحيد، وفي وسط تلك العزلة الموحشة، لمحت ظلاً لرجل يجلس بظهرٍ مستقيم خلف مكتبه الضخم، غارقاً في أوراقه كأنه جزء من أثاث الغرفة البارد.

لم يرفع رأسه فور دخولها، بل ظل صامتاً، مما جعل الصمت في الغرفة يبدو كأنه كائن حي يتنفس بينهما.













تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة