الفضل (18) القتال
*
التفت الاثنان ليريا ماتياس وأوليفيا يقفان عند الباب؛ كانت ابتسامة ماتياس الساخرة المعتادة في مكانها، بينما كانت أوليفيا ترتدي تعبيراً محايداً جعل الموقف أكثر توتراً.
رفعت أوليفيا يدها قليلاً، واعتذرت ببرود:
"آسفة للمقاطعة، ولكن هناك أمر يجب مناقشته معكما."
في تلك اللحظة، التقت نظرات كايل وماتياس. كان هناك شيء غير مرئي بينهما — منافسة قديمة أو ربما شعور بالواجب. حدقا في بعضهما بصمت للحظة قبل أن يخطو ماتياس خطوات ثابتة نحو كايل، متوقفاً أمامه مباشرة.
ابتسم ماتياس ببراءة غريبة، ثم فجأة رفع قبضته وضرب وجه كايل بقوة. كانت الضربة عنيفة لدرجة أن كايل سقط أرضاً، فاندفعت ليلى نحوه وهي تصرخ بقلق:
"كايل! هل أنت بخير؟ خدك تورم تماماً!"
بصق كايل الدم جانباً ومسح فمه بإبهامه، ثم نظر إليها بابتسامة مطمئنة:
"لا تقلقي، إنها مجرد ضربة خفيفة."
نهض وعدّل ملابسه المتناثرة، ثم نظر إلى ماتياس بابتسامة ساخرة:
"لم تكن لكمة قوية يا **صهري العزيز**." شدد على الكلمة الأخيرة بوضوح، مما زاد من حدة التوتر في الهواء.
ارتجفت ليلى خوفاً وهي تنظر بين الرجلين؛ زوجها الواثق بنفسه، وأخوها الذي يحترق غضباً. التفتت إلى أوليفيا، التي كانت قد طوت ذراعيها ببرود ولم تبدِ أي اهتمام بما يحدث، وجلست بهدوء على الكرسي.
ناشدتها ليلى: "يا صاحبة السمو! ساعديني، سيقتلان بعضهما!"
نظرت أوليفيا حول الغرفة بلامبالاة وقالت بإهمال: "ماذا؟ أنا؟ وما شأني؟ دعهم يتقاتلون، سيتوقفون عندما يتعبون."
بينما كانت تتحدث، كان الرجلان قد دخلا بالفعل في صراع عنيف، يتبادلان اللكمات. وقفت ليلى متجمدة من الرعب، وعيناها مليئتان بالدموع، وتوجهت مرة أخرى إلى أوليفيا تطلب المساعدة:
"أرجوكِ يا صاحبة السمو، افعلي شيئاً!"
تنهدت أوليفيا بانزعاج، وكأنها أُجبرت على التدخل: "حسناً، سأوقفهم."
وقفت ببطء من مقعدها، وكان صوتها صارماً: "أنتما..."
لكن فجأة، بدأ كل شيء يتشوش في رؤيتها. شعرت بالأرض تدور بعنف تحت قدميها، وارتخت أطرافها. وقبل أن تكمل جملتها، انهار جسدها على الأرض بارتطام قوي، مما جعل الجميع في الغرفة يتجمدون.
صرخت ليلى بذعر: "أوليفيا!"
توقف كايل وماتياس فوراً عن القتال وهرعا نحوها بذعر. التقطها ماتياس بلطف بين ذراعيه، وكان القلق واضحاً عليه وهو يحاول إيقاظها بصرخات عالية:
"أوليفيا! استيقظي!"
التفت إلى كايل بغضب وصاح: "أحضر الطبيب بسرعة! لا وقت لنضيعه!"
تجمد الجميع للحظة أمام شدة الموقف، ثم تحركوا بسرعة لطلب المساعدة. رفع ماتياس أوليفيا بعناية، وكأنها من زجاج هش، ووضعها على السرير، وعيناه تراقبان وجهها الشاحب وكأنه يتوسل إليها أن تستيقظ.
بينما وقفوا بصمت على مسافة، والجو بينهم مشحون بالكلمات غير المنطوقة، تقدمت ليلى بخطوات مدروسة نحو الجسد الساكن أمامها. استقرت نظرتها الشرسة والرصينة على وجه الفتاة الشاحب. جثت ليلى بجانبها، وبدأت يداها تعملان بدقة غامضة، وكأنها تستحضر طاقة قديمة خفية.
كسر ماتياس الصمت وصوته حاد من القلق: "ماذا تفعلين؟ يجب أن ننتظر الطبيب!"
التفتت ليلى برأسها فجأة، وكان تعبيرها مزيجاً من الإرهاق والغضب المكتوم. كانت نبرتها حادة، تقطع الغرفة كالنصل:
"أنا طبيبة، أليس كذلك؟ أم أنك نسيت؟ لم يكن ليحدث أي من هذا لولا طيشكما. إنها بحاجة إلى الراحة الآن — لذا ابقيا بعيداً، كلاكُما."
وضع كايل يداً مهدئة على كتف ماتياس، وكان صوته غمغمة لطيفة في محاولة لتخفيف التوتر: "لم أرَ ليلى منزعجة هكذا من قبل. ربما يجب أن نمنحها بعض المساحة."
لكن ماتياس لم يكن ممن يتراجعون بسهولة؛ التفت نحو كايل بنبرة تقطر سخرية وانزعاجاً: "أنت؟ أنت تعرفها منذ بالكاد شهر ونصف، والآن تعتقد أنك تفهم مزاجها؟"
تجاهلت ليلى الحوار تماماً، وظل تركيزها ثابتاً وهي تواصل فحص الفتاة. وبعد لحظة من الصمت، قطع صوتها الغرفة، ثابتاً ورصيناً:
"إنها مرهقة وتعاني من فقر دم طفيف. هل كانت تأكل بشكل صحيح؟"
تحولت نظرتها للأعلى لتقابل تعبير ماتياس المرتبك.
"لماذا تسأليني؟ اسألي خادمتها!"
ضاقت عينا ليلى، واخترقت نظرتها إياه كاتهام غير منطوق: "أنت زوجها. ألا يجب أن تعرف ما إذا كانت تأكل جيداً أم لا؟ ألم تلاحظ أنها كانت تجوع نفسها لشهور؟"
أغرق ثقل كلماتها الغرفة في صمت غير مريح. سعل كايل بخفة، يائساً من تبديد التوتر: "ليلى، هل انتهيتِ من علاجها؟ متى ستستيقظ؟ ربما يجب أن نخرج أنا وأنتِ للحظة ونترك ماتياس مع زوجته."
لكن ليلى نفضت اقتراحه بحركة مفاجئة، وصوتها يرتجف بغضب مكبوت: "أنا لا أفهم أحداً منكم! أخي لا يعامل زوجته بلطف، وهي لا يبدو أنها تهتم بأي شيء، وأنت تقف هناك وكأن الأمر لا يعنيك. صدقاً، هل أنتم عائلة أصلاً؟"
ساد الصمت الثقيل مرة أخرى؛ كانت كلماتها حادة لدرجة لا يمكن تجاهلها. لم يجرؤ أحد على الرد. أخيرًا، أمسك كايل بذراع ليلى وأخرجها من الغرفة بسرعة، وكأنه يحاول إنهاء المواجهة قبل أن تتفاقم.
في الممر المظلم، التفتت ليلى إليه وعيناها تشتعلان بمزيج من الإحباط والحيرة، وقالت بنبرة متحدية: "ماذا كنت تقصد هناك؟ ما الذي يفترض أن يكون عليه هذا الوضع؟"
التقى كايل بنظرتها لفترة وجيزة ثم أشاح بعينيه، وصوته منخفض ورصين: "لا شيء. فقط... احذري في كلماتك. هذا القصر يخفي من الأسرار أكثر مما يمكنكِ تخيله."
في الداخل، وقف ماتياس بجانب عمود السرير، ونظرته مثبتة على زوجته المستلقية براحة، وكأنها غير مدركة للعالم من حولها. كسر صوته، الهادئ والحاد في آن واحد، الصمت:
"إذاً، إلى متى تخططين للتظاهر بالنوم يا زوجتي العزيزة؟"
دفعتها الكلمات لفتح عينيها بكسل، وكأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة. جلست على السرير وثبتت نظرتها عليه: "همم، يبدو أنك عرفت أنني مستيقظة."
ابتسم بمكر واقترب خطوة: "حيلكِ لا تنطلي عليّ، تذكرين؟ إذاً، ماذا تريدين؟ ولماذا كل هذه الدراما أمام الجميع؟"
لم تجب على الفور. بدلاً من ذلك، تاهت نظرتها للحظة قبل أن تتحدث بنبرة يشوبها الندم: "أظن أنني لست جيدة في إقناع الناس بالتوقف عن القتال."
ضحك ماتياس بمرارة وسخرية: "ها! وكأنكِ كنتِ تنوين فعل ذلك أصلاً! إذاً لماذا تظاهرتِ بالإغماء؟"
تغير تعبيرها فجأة، وأصبح جاداً بطريقة أربكته. كانت عيناها مليئتين بمشاعر مختلطة — جزء منها حزن، وجزء توسل:
"ماتياس، أولاً، أنا لم أتظاهر. ثانياً، عليك أن تجد حلاً أفضل. لا تدع الأمور تصل إلى الطلاق."
اتسعت عينا ماتياس بعدم تصديق للحظة، وحدق فيها غير فاهم.
تابعت وصوتها يتوسل الآن: "أرجوك، جد طريقاً آخر. لا تحرمهم من سعادتهم. لا يمكنني إخبارهم بقرارك القاسي. أخي يحبها بعمق، وقد أثبت ذلك؛ لقد كان مستعداً للتضحية بسعادته من أجلها — تركها تذهب لرجل آخر فقط ليرى ابتسامتها. أما أختك، فهي لن ترفض لك طلباً مهما كان، لأنك تعني الكثير لها. أعلم أنك كنت ستجبرهم على اتخاذ أسوأ قرار في حياتهم."
كانت كلماتها مليئة بالحزن الصادق، وشعر ماتياس بذلك. لم يكن معتاداً أن يُطلب منه شيء مباشرة؛ فكل شيء كان يمر دائماً عبر "إيزابيلا"، مساعدتها المخلصة. لكنه الآن رأى شيئاً مختلفاً في عينيها — شيئاً أزعجه لأنه علم أنها على حق.
تنهد بعمق، وتوجه نحو الباب بخطوات بطيئة ومدروسة قبل أن يتحدث بصوت منخفض ولكن حازم: "حسناً يا أوليفيا. سأجد حلاً."
توقف عند الباب، وألقى نظرة سريعة عليها بابتسامة باهتة تحمل تلميحاً من التحدي: "بالمناسبة، من الآن فصاعداً، ستتناولين الطعام معي."
راقبت أوليفيا رحيله، وعيناها تتبعانه بابتسامة حزينة ودافئة في آن واحد. همست بصوت لا يكاد يُسمع: "أعلم أننا لسنا في أفضل حال، لكنه رجل يفي بوعوده. الابتسامة التي رأيتها على وجه كايل اليوم تستحق مني أن أضع كبريائي جانباً وأطلب من ماتياس... فقط من أجلهم."
مرت الأيام في القصر بالرتابة ذاتها التي اعتادت عليها أوليفيا، لكن شيئاً واحداً قد تغير: الوجبات أصبحت تُؤخذ مع ماتياس، وهو التزام جديد فرضه عليها دون نقاش. لم تكن تمانع كثيراً، لكن كان هناك ثقل لهذه اللحظات المشتركة، حيث كان الصمت بينهما دائماً كالنصل البارد.
وفي إحدى الليالي، بينما تأخر الوقت، انتابها شعور بالقلق بشأن موضوع كايل وليلى. قررت مواجهة ماتياس لتعرف ما الذي فعله حيال ذلك. مشت نحو غرفته بخطوات هادئة، طرقت الباب بخفة، ثم دفعته ودخلت دون انتظار الإذن.
ما رأته في الداخل كان بعيداً عما توقعته. كان الهواء في الغرفة ثقيلاً برائحة غريبة ومألوفة، رائحة معدنية ثقيلة... **رائحة الدماء**.
هناك، في منتصف الغرفة، وقف ماتياس، ساكناً وصامتاً، والدماء تغطي صدره ووجهه. لم تعكس عيناه الباردتان أي عاطفة.
"يجب أن تعودي إلى غرفتكِ يا أوليفيا!"

تعليقات
إرسال تعليق