قيود من حرير أسودالفصل(18) حين استفاقت الإمبراطورية على لقب ميلوفا (1)
ما إن لاحت تباشير الصباح، حتى استفاقت الإمبراطورية على وقع زلزالٍ اجتماعي لم تشهد له الصالونات المخملية مثيلاً؛ فقد اهتزت أركان الطبقة الأرستقراطية تحت وطأة خبرٍ صاعق اجتاح القصور كالنار في الهشيم. لم يكن إنزو ليدع فرصةً كهذه تمر دون أن يضع بصمته البارعة، إذ لم يضع دقيقة واحدة من وقته، مستغلاً شبكة علاقاته الأخطبوطية ونفوذه المتغلغل في أوساط النبلاء ليحيك خيوط الإشاعة ببراعة مذهلة، تنفيذاً لعهد الدوقة الأم.
مع أولى ساعات الفجر، لم يعد هناك حديثٌ يعلو فوق همسات النبلاء الصادمة: "سليل آل كاستيلار، الجليد الذي لم تذبه أحرّ النظرات، قد كُسر حصنه أخيراً". لكن الصدمة الكبرى لم تكمن في الزواج بحد ذاته، بل في ذلك اللقب الذي انبعث من رماد التاريخ ليتردد صداه في الممرات المذهبة: "ميلوفا".
لقد أحدث اقتران اسم "ثيودور كاستيلار" بـ "رينا ميلوفا" حالة من الذهول والارتباك؛ فالعائلة التي ظن الجميع أن شمسها قد غابت، تعود الآن لتعتلي عرش العظمة من جديد عبر بوابة الزواج الأكثر غموضاً في تاريخ الإمبراطورية.
في صالونات "الدرجة الرفيعة"، حيث تُصنع الهيبة وتُهدم الممالك بكلمة، ساد لغطٌ لا ينتهي:
سيدات المجتمع: تبادلن نظرات ملؤها الحقد الممزوج بالفضول القاتل؛ كيف استطاعت تلك الفتاة "المنسية" أن تظفر بالألماسة التي استعصت على أكثر الجميلات دلالاً ونفوذاً؟
الرجال والسياسيون كانوا يحللون أبعاد هذا التحالف المفاجئ، متسائلين عن موازين القوى الجديدة التي ستفرضها "الدوقة الجديدة" على خارطة النفوذ.
في تلك الأثناء، كان إنزو يراقب المشهد من شرفة مكتبه بابتسامة نصرٍ باردة، يرتشف قهوته وهو يرى ثمار عمله تنضج. لقد نجح في جعل رينا ميلوفا "أسطورة الصباح"؛ الشخصية الأكثر إثارة للجدل، والغموض، والرهبة في آن واحد.
لقد رُميت الحجارة في المياه الراكدة، وبدأت الدوائر تتسع لتشمل كل ركن في الإمبراطورية، بانتظار الظهور الأول لتلك "الألماسة" التي أصبحت، بفضل دهاء إنزو، حديث القاصي والداني قبل أن يراها أحد.
انفتح الباب فجأة بضربة مدوية كادت تقتلع مفاصله. دخلت راتشيل كإعصار من الجمال الساخط، يسبقها عبير عطرها النفاذ وخطوات كعبها التي كانت تنقر الأرض بحدة تعكس حجم غضبها.
وقفت أمامه، وصدرها يعلو ويهبط من شدة الانفعال، ثم صرخت وهي ترمي بإحدى الصحف الصباحية على الطاولة أمامه:
— "إنزو! ما هذا الهراء الذي يملأ الشوارع؟ أخبرني فوراً أن هذه مجرد دعابة سخيفة من دعاباتك المعتادة!"
رفع إنزو نظره ببرود، وأخذ رشفة متأنية من شاي "إيرل غري"، ثم قال بنبرة مستفزة:
— "عزيزتي راتشيل، أهكذا تستقبلين أخاكِ العائد من السفر؟ لم نرى بعضنا منذ مدة ."
"نعم نعم ذهبت و تركت كل اعمال العائلة علي لم استطع حتى الخروج لاستنشاق الهواء "
لقد أفسدتِ هدوء الصباح."
اشتعلت عيناها غيظاً واقتربت منه أكثر، وقالت بصوت متهدج:
— "لا تتهرب! الخبر يقول إن ثيودور.. ثيودور كاستيلار قد تزوج! والأدهى من ذلك، من نكرة تُدعى رينا ميلوفا! هل هذا صحيح؟ هل تزوج ثيو حقاً؟"
وضع إنزو الكوب ببطء، ونظر إليها بجدية مفاجئة:
— "نعم يا راتشيل، الخبر صحيح تماماً. ثيودور تزوج منذ يومين في حفل عائلي ضيق، وهي الآن تسكن جناح الدوقة في القصر."
شحب وجه راتشيل تماماً، وكأن الدماء هربت من عروقها، ثم تحول ذلك الشحوب إلى حمرة غضب قانية. صرخت بجنون:
— "مستحيل! ثيو لي.. لقد كان لي منذ أن كنا أطفالاً! كيف يجرؤ على لمس يد فتاة من عائلة ميلوفا؟ تلك العائلة التي سقطت في الوحل ولا يملك أفرادها سوى ألقاب جوفاء! إنها حشرة، نكرة لا تستحق حتى أن تمسح غبار أحذية آل كاستيلار!"
ضحك إنزو بمرارة وقال:
— "احذري يا أختي، تلك 'الحشرة' كما تصفينها أصبحت الآن دوقة كاستيلار، أي أنها أعلى منكِ شأناً في الهرم الأرستقراطي. والجدة مارغريت هي من باركت هذا الزواج."
ضربت راتشيل الطاولة بيدها وهي ترتجف:
— "لا يهمني! الجدة أصابها الخرف بالتأكيد! ثيو ملكي، ولن أسمح لهذه القروية المتسلقة أن تأخذ مكاني. كيف يرضى كبرياء ثيودور بأن يقترن بلقب ميلوفا الملطخ؟ إنها إهانة لنا جميعاً، لكل قطرة دم نبيلة تجري في عروقنا!"
نظر إليها إنزو بشفقة وقال:
— "مشكلتكِ يا راتشيل أنكِ ما زلتِ تعتقدين أن الجمال والاستعلاء يكفيان لإخضاع رجل مثل ثيودور. رينا ميلوفا مختلفة.. والآن، استعدي، فهي لن تكتفي باللقب، بل ستعمل كباحثة مشرفة في معهدنا أيضاً."
اتسعت عينا راتشيل بذهول واشمئزاز:
— "تعمل؟! هل قلت تعمل؟ يا للقذارة! دوقة تعمل كالأجراء والخدم؟ لقد تلوثت سمعة عائلتنا للأبد! سأذهب إلى القصر الآن، سأريها حجمها الحقيقي، ولن أتركها تنعم بليلة واحدة في ملكية ثيو!"
استدارت وهي تلوح بفستانها الحريري، بينما ناداها إنزو بلهجة محذرة:
— "راتشيل! ثيودور ليس في حالة تسمح له بالتحمل، والجدة لن تغفر لكِ أي تطاول. كوني ذكية ولو لمرة واحدة."
لم تجب، بل غادرت الغرفة وهي تزمجر، تاركةً إنزو يتنهد وهو ينظر إلى فنجان شايه الذي برد تماماً، وقال في نفسه:
"يبدو أن الإمبراطورية لن تهتز بالإشاعات فقط.. بل بصدام النسوة الذي سيجعل جدران القصر ترتجف."
.....
وفي الجانب الآخر من العاصمة، وتحديداً في قصر الملك، كان الإمبراطور كاسيان راينهارد يسير في الرواق المؤدي للحديقة مع زوجته الملكة روزيلينا بيلروز. التفت إليها والفضول يغلب عليه قائلاً:
— "روز، هل وصلتِكِ الأخبار؟"
تبسمت روزيلينا بهدوء وأجابت:
— "نعم، لقد كانت صادمة.. من كان يتوقع هذا؟ ألم يخبرك الدوق بشيء؟"
هز الملك رأسه بأسف ورد:
— "لا، لم أسمع. لم أظن أنه سيتزوج يوماً حتى، مع أني كنت أقول له دائماً إن الزواج مقدس ويجب الالتزام به، وأنه المرحلة الجديدة التي يجب أن ينتقل لها كل امرئ وامرأة، إلا أنه دائماً كان يرد عليّ بصمت وبنظرة قاتلة.. لذا فقدت الأمل. والآن.. تزوج! ومن من؟ من ابنة عائلة ميلوفا.. كم هذا غريب!"
تغيرت نبرة الملك للجدية وهو يكمل:
— "الملك الراحل قد قضى على هذه العائلة بحجة الخيانة.. فهل أتت لتنتقم؟ لا أعلم. لكن لا أعتقد أنه سيسعد أي أحد إذا ما تم فتح الدفاتر القديمة."
أجابت الملكة بوقار:
— "نعم جلالتك.."
قاطعها كاسيان بنبرة حانية:
— "جلالتكِ؟ 'عزيزي'.. قوليها."
نظرت إليه روزيلينا بحرج طفيف وقالت:
— "جلالتك، لسنا في الغرفة.. نحن في الحديقة وأمامنا الخدم."
عبس كاسيان وهو ينظر إلى زوجته الجميلة والمتمردة بملامح طفولية غاضبة.
كانت هناك علاقة وطيدة تجمع بين ثيودور والملك وروزيلينا؛ فقد كانوا أصدقاء طفولة. ولكن عندما مر الزمن وأصبح لكل منهم مسؤولياته الخاصة، لم يعودوا يلتقون إلا في المناسبات الرسمية، مما جعل خبر زواج ثيودور المفاجئ يقع عليهم كالصاعقة.

تعليقات
إرسال تعليق