الفصل 17 () انهيار العالم
## زُوراً ادّعيتُ موتي—والآن عليّ ترويض المجانين الذين خلفتُهم ورائي
**الفصل 17 () انهيار العالم**
"معذرة، لقد سقط منكِ شيء."
رأت ميا غرانت أن اليد التي أوقفتها كانت تحمل بطاقة وجبات. كانت مفاصل أصابعه بارزة، وأظافره مقلمة بعناية، وقد ابيضت أطراف أصابعه قليلاً من شدة قبضته على البطاقة. كانت يداه وسيمتين وبشرته فاتحة؛ يد مثالية لتمسكها وتتأملها عن قرب.
كانت ميا في سرها "عاشقة للأيدي الجميلة"، لكن لم يكن هذا هو الوقت المناسب لهذا الهوس! بينما كانت تحدق في الوجه المألوف أمامها، شعرت بعقلها يترنح للحظة. لم يكن الصوت يشبه تماماً صوت "إيان سنكلير" الذي تتذكره، ولكن..
وقعت نظراتها على الشامة الصغيرة عند ترقوته. *"إن لم يكن هذا إيان سنكلير، فمن يكون؟"*
ظلت ميا تخفض حافة قبعتها، ولم تجرؤ على لقاء عينيه. *"من المؤكد أن إيان لم يتذكرني، أليس كذلك؟"* وإلا فكيف يكون بكل هذا الهدوء وهو يعيد إليها بطاقتها؟ فبناءً على شخصيته، كان ليفجر غضبه ويفتعل أزمة الآن.
أخذت البطاقة وهمست بـ "شكراً" بصوت مخنوق. حاولت الالتفاف حوله لتغادر، لكنها لم تكد تخطو خطوة واحدة حتى تحرك الظل بجانبها: "إنها تمطر في الخارج، سأرافقكِ".
* "..."
"لن تذهبي؟" فتح مظلته والتفت قليلاً ونادى اسمها: "ميا غرانت".
تجمدت ميا في مكانها. نظرت للبطاقة في يدها، ثم تحسست جيبها لتجد بطاقتها الأصلية لا تزال هناك؛ لم تضع منها أصلاً!
كانت السماء تمطر فعلاً، لكنه كان "مطر شمس" سرعان ما توقف. أغلق الشاب المظلة ذات المقبض الأسود، وبدأ بطي قماشها بعناية على طول الثنيات في اتجاه واحد.
بجانبه، كانت ميا تراقب بصمت، ثم استسلمت ورفعت حافة قبعتها لتلقي نظرة على "قيمة الفساد" (Corruption Value) فوق رأسه. شهقت بصدمة؛ لقد ارتفعت مجدداً لتصل إلى **98**.
*"راقبي أقوالكِ وأفعالكِ يا ميا.. راقبيها جيداً!"*
استجمعت شجاعتها ورسمت ابتسامة مشرقة: "إيان سنكلير! إنه أنت حقاً! ظننتك استمعت لوالدتك وذهبت للدراسة في الخارج".
بمجرد نطقها للكلمات، رأت الرقم يقفز درجة واحدة. **99؟**
*"سحقاً! ألا يمكنني حتى إلقاء التحية؟"*
ظل الشاب صامتاً يحدق للأمام، ووجهه لا يزال هادئاً لا يوحي بأي شيء مريب. لكن ميا لم تستطع التخلص من شعور الغرابة. بدأت فكرة جريئة تتشكل في عقلها، لكن بعد أن نظرت للشامة في رقبته مجدداً هزت رأسها: *"مستحيل، لا يمكن"*.
سألت بعد فترة من المشي: "إلى أين نحن ذاهبون؟"
أجاب باختصار: "لنأكل".
لم تجرؤ ميا على الرفض، خوفاً من أن تصل القيمة للحد الأقصى ويدمر الكوكب.
توجها لمحل نودلز خالٍ من الزحام أمام الجامعة. طوال الوجبة، لم يلمس الشخص الذي أمامها عيدان الطعام؛ بل كانت عيناه الداكنتان مسمرتين عليها مثل نصل يقشر اللحم عن العظم.
سأل أخيراً بعد صمت طويل: "أين تعيشين الآن؟"
*"لماذا يبدأ بسؤال قد يقتله؟"* فكرت ميا، ثم أجابت: "أعيش في سكن الجامعة، عائلة غرانت لا تعلم بعودتي بعد".
نفخت ميا على النودلز، ثم وضعت عيدان الطعام وسألته بحذر: "ألا تشعر بالفضول حيال كوني لا أزال حية؟ أنا لم أقصد.."
* "لستُ فضولياً." *"طالما أنكِ حية، فهذا هو كل ما يهم"*. كان يخشى أن يرمش فتختفي.
فوجئت ميا: "واو يا إيان، لم أرك منذ شهرين وقد نضجت كثيراً، تماماً مثل أخيك.."
توقف صوتها فجأة.
"لماذا توقفتِ؟" راقبها الشاب بتعبير فارغ، كأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
شهقت ميا في سرها: *"يا ليتني صمتُّ! لقد داست قدمي على أحد ألغام إيان سنكلير.."* دفنت رأسها وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها.
مرت دقيقة، دقيقتان.. والهدوء سيد الموقف.
فتحت ميا عيناً واحدة وتطلعت تحت الطاولة: *"لماذا لم ينهار العالم بعد؟ هل النظام بطيء في التشغيل؟"*
"ألن تأكلي؟" في تلك اللحظة، أمسك الذي أمامها بعيدان الطعام، وبدأ ينقر بخفة على طبقها، ليضع قطعة سمك منزوعة الشوك تماماً. كانت ميا تعشق السمك، لكنها تتجنبه بسبب الشوك منذ أن علقت عظمة في حلقها قديماً. وفي الثانوية، كان هناك شخص يفعل لها هذا كل يوم: ينزع الشوك ويقدم لها السمك جاهزاً.
نظرت ميا للقيمة فوق رأسه؛ لقد هبط الرقم **99** إلى **97**.
أنهت ميا وجبتها وهي شاردة الذهن، محاولةً التفكير في طريقة للتأكد من تلك الشامة في رقبته. حين اقتربا من سكن الطالبات، تظاهرت بالتواء كاحلها: "آه!".
تفاعلت اليد بجانبها فوراً، فأمسك بخصرها وسحبها لصدره. شعرت ميا بصلابة زيه العسكري، لكنها استغلت القرب لترفع رأسها وتدقق في رقبته.
نقطة سوداء صغيرة. عن بعد تبدو شامة، وعن قرب.. لا تزال تبدو كشامة؟ *"كيف هذا!"*
أمسكت ياقة قميصه وحاولت فتحها لترى بوضوح أكبر، متجاهلةً أنها تقوم "بتحرش علني" في وسط الجامعة. لكنه لم يقاوم، بل وضع يداً تحمي خصرها وتركها تفعل ما تشاء.
"ماذا تفعلين؟"
تداخل ذلك الصوت الرخيم الواضح مع صوت من ذاكرتها. سقط قلب ميا في جوفها. حاولت لمس الشامة، لكنه أمسك يدها.
* "لا تعبثي، الناس يشاهدوننا." كان صوته يحمل نبرة صبر مشوبة بالدلال، وليس الرفض.
توقفت ميا، ونظرت إليه بنظرة معقدة: *"لا، هذا ليس إيان سنكلير! إيان لا يهتم بالناس، وكان ليسعد لو تحرشتُ به هكذا"*.
إذا لم يكن إيان، وصاحب هذا الوجه المطابق تماماً لإيان ليس سوى.. شقيق إيان التوأم!
"فيلكس سنكلير؟!"
التقت أعينهما، وخفض الشاب عينيه اللوزيتين قليلاً: "نعم".
فهمت ميا أخيراً سر تقلب الأرقام؛ كانت القيمة ترتفع لأنها تظنه "إيان"، وتنخفض عندما تذكر "الأخ الأكبر".
*"لقد عرفت! التوأم سنكلير يتشابهان لدرجة أن والدتهما تحتاج لثلاث ثوانٍ لتميزهما، وكنت أعتمد دائماً على شامة إيان عند الترقوة.."*
بينما كان إيان سنكلير عائداً من الكافتيريا، رأى من بعيد شقيقه وهو يحتضن فتاة.
سقط فكه من الذهول: "أخي؟!"

تعليقات
إرسال تعليق