الفصل (15) الجمعة الغريب (4)

 


## الفصل 15: الجمعة الغريب (4)

ساد صمت ثقيل في الكافيتريا. الجميع حدقوا بذهول في "أماندا"، وفي شطيرة الهامبرغر التي رمتها، وفي "ديف ميلر" الذي استقرت الشطيرة مباشرة في وجهه.

سقطت قطع الملفوف المنقوعة في المايونيز على الأرض، تاركة بقعة بيضاء على وجه "ديف". تردد صدى صوت ارتطام الطعام بالأرض في أرجاء الكافيتريا الهادئة.

رفع "ديف"، الذي تجمد في مكانه، يده ومسح وجهه، ليتلطخ كفه بصلصة المايونيز البيضاء.

"ما هذا الـ..."

سرعان ما تحول وجه "ديف" إلى اللون الأحمر القاني. بدا وكأنه على وشك الانفجار؛ "جين"، التي كانت تراقبه، تخيلت أن رأسه سينفجر كالقنبلة.

بعد أن تعرض للإهانة ليس فقط أمام طلاب الصف العاشر، بل وأمام طلاب الصف التاسع أيضاً، حدق "ديف" في "أماندا" بنظرات قاتلة. اقترب الرجل الضخم منها بتهديد محاولاً استعادة كبريائه الجريح.

"أيتها المجنونة...!"

لكن، يبدو أن الشتيمة القذرة التي حاول قولها لم تكتمل هذه المرة. لسوء حظه، كانت "جوي" أسرع؛ فقد غرزت يدها في طبق المكرونة (الباستا) ورمتها في وجهه قبل أن يكمل كلامه.

تعالت صيحات الدهشة، وتراجع الطلاب المحيطون بـ "ديف" خطوات للخلف. خصلات المكرونة اللزجة تدلت فوق شعره الأشقر الذي كان يتباهى به، فجعلته يشبه الأطفال ذوي الشعر الأحمر الذين كان يسخر منهم دائماً.

قالت "جوي" بنبرة مرحة: "أوه، عذراً! بدا وجهك ساخناً قليلاً، فظننت أنني سأساعدك لتبرد!"

أثارت نبرتها ضحكات مكتومة من الطلاب حولهم. أما "ديف"، الذي بدا وكأن الدخان سيخرج من أذنيه في أي لحظة، فقد خطف شطيرة هامبرغر من طبق الشخص الذي بجانبه ورماها باتجاه "جوي". لكن "جوي" انحنت بسرعة، لتخطئها الشطيرة وتستقر في وجه "جوناثان" الذي كان يشاهد من الخلف.

تعالت صرخة صغيرة، وتوترت الوجوه وهي تنظر إلى "جوناثان". لكن الأخير ضحك كطفل شقي، ورفع قطعة البيتزا التي كان يأكلها، وبحركة بدت كأنها تصوير بطيء، سحب ذراعه للخلف كأنه يرمي كرة بيسبول.. ثم قذف البيتزا للأمام مباشرة.

**"حرب طعاااااام!"**

رن صوت "جوناثان هانسن" في الكافيتريا بوضوح. وفي تلك اللحظة، بدأ بقايا الطعام يتطاير في الهواء. لم تستطع عينا "جين" ملاحقة الفوضى المفاجئة التي اندلعت أمامها.

في لحظة، تحولت الكافيتريا إلى ساحة معركة. الطعام يُقذف من كل اتجاه. وسط المعمعة، تعالت ضحكات "روث" و"دستن" وهما ينضمان بحماس للمعركة، حيث شكلا درعاً لحماية "أماندا" و"جوي" من "ديف"، بينما كانا يستهدفانه بلا رحمة. "دستن"، الذي كان يحمل كوباً من ذرة السلطة، كان يبتسم بمكر وهو يقذف حبات الذرة واحدة تلو الأخرى نحو رأس "ديف".

"كُل الحبوب يا ديف! كُل الحبوب!"

وقفت "جين" متجمدة وسط الطعام المتطاير، فمها مفتوح قليلاً كأنها روبوت معطل. صراع داخلي دار في عقلها: "إذا شاركتُ، ما هو العقاب الذي سأواجهه؟ والأهم من ذلك.. من سيقوم بتنظيف كل هذا؟"

لكن، بمجرد أن رأت "جين" "ديف" يحاول شد شعر "أماندا" من وراء "دستن" و"روث"، فقدت هي الأخرى عقلها. بدأت بسكب كوب الكولا كاملاً فوق رأس "ديف"، ثم شرعت في قذف كل ما تصل إليه يدها من طعام.

لم تتسخ يداها فقط، بل بدأت أشياء لزجة تلتصق بجسدها بالكامل. ملابسها أصبحت خارج السيطرة؛ غالباً سيتعين عليها رميها. توالت الأفكار في ذهنها عن الملابس البديلة، والوقت المتبقي للغداء، ومن سينظف، وكيف ستستحم، والعقاب.. مشاكل لا حصر لها. ومع ذلك، كان وجهها وهي تقذف الطعام يفيض بالضحك.

كان شعور التحرك بعقل صافٍ، دون التفكير في نظرات الآخرين أو العواقب، شعوراً رائعاً. شعرت بضغوطها الكبيرة والصغيرة تذوب. حتى طلاب مدرسة "كروفورد" بدوا وكأنهم يفرغون ضغوط الدرجات والامتحانات عبر قذف الطعام بجنون.

حتى عندما طارت قطعة بيتزا من مكان ما واستقرت فوق رأسها كأنها قبعة، لم تستطع التوقف عن الضحك. غمرتها موجة من الإثارة وصلت إلى قمة رأسها.

 * * * انتهت فوضى الغداء بتدخل متأخر من عاملة المطعم والمعلمين. تم اقتياد "جين" والبقية، رفقة مجموعة "ديف ميلر"، إلى مكتب المدير كمتسببين في الشغب.

اصطفت "جين" والآخرون أمام المدير "السيد شور"، ووجوههم لا تزال تحمل آثار الحماس وهم يتبادلون النظرات سراً.

تنهد "السيد شور" بعمق وهو ينظر إلى الطلاب الواقفين أمامه. كان كل واحد منهم يبدو وكأنه خرج للتو من حاوية نفايات، والصلصة لا تزال تقطر منهم على أرضية المكتب. راقب "السيد شور" بحزن أرضيته البيضاء اللامعة التي يلمعها كل صباح وهي تتسخ تدريجياً.

"...لذا، أعتقد أنه من الأفضل أن يشرح كل منكم ما حدث. هذا لم يحدث أبداً في تاريخ مدرسة كروفورد..."

بدا خطاب المدير بلا نهاية. ومع إطالته في الحديث، بدأ الطلاب يشعرون بالتململ، فاستخدموا "ديف ميلر" وأصدقاءه الواقفين في المقدمة كدروع للاختباء خلفهم.

"جين"، التي كانت تشم الرائحة المنبعثة من جسدها سراً (والتي كانت لحسن الحظ تشبه رائحة صلصة الطماطم فقط)، نظرت إلى "دستن" بعينين واسعتين. كان "دستن" يحرك كف يده خلف ظهره. وبينما كانت "جين" محتارة فيما يفعله، فهم الآخرون قصده بسرعة.

"جوي"، التي كانت تراقب رد فعل المدير، ضربت كف "دستن" بكفها (High-five). تبعتها "أماندا" و"روث" بدورهن. ترددت "جين" وهي تراقبهما، غير متأكدة إن كان يحق لها المشاركة: "هل من المقبول أن أفعل هذا أيضاً؟"

أحياناً تشعر "جين" بأن رابطتهم قوية لدرجة أنها تتساءل إن كان لها مكان بينهم. حتى الآن، شعرت بثقل شكوكها؛ فـ "أماندا" ذات الطموحات العالية في دخول جامعات النخبة، ضحت بنفسها ودخلت في شجار من أجل "دستن". و"جوي" و"روث" وقفتا في وجه "ديف" من أجل "دستن" أيضاً.

بعد مراقبتهم لأكثر من شهر، كانت "جين" متأكدة من شيء واحد: لو تعرض أي منهم للإهانة، لكانوا فعلوا الشيء نفسه. كما فعلوا طوال السنوات الست الماضية، سيكونون دائماً بجانب بعضهم البعض.

لكن عندما تخيلت نفسها مكان "دستن"، بدأ ذلك اليقين يتلاشى كالدخان. "هل أنتمي إلى هنا؟" السنوات الطويلة التي تربطهم شعرت بها كجدار يصرخ في وجهها: "أنتِ لا تنتمين إلينا". كان الجدار عالياً وسميكاً، وبدا القفز فوقه مستحيلاً. شعرت "جين" أحياناً بالعجز أمام هذا الجدار.

رغم وجودها معهم، كانت "جين" تشعر بالوحدة أحياناً بسبب الذكريات والعادات التي يشاركونها وحدهم. "هل كانوا سيفعلون الشيء نفسه من أجلي لو كنتُ أنا هدف 'ديف ميلر'؟"

قطعت "روث" حبل أفكارها الكئيبة فجأة عندما أمسكت بمعصم "جين". نظرت "جين" إليها بذهول، فسحبت "روث" يد "جين" ووضعتها بدقة فوق كف "دستن" ثم تركتها لتسقط بخفة.

*تصفيق*. تلاقت الأكف.

تبادل الطلاب نظرات ماكرة، وبدأت الابتسامات تظهر على وجوههم. برؤيتهم، لم تستطع "جين" سوى التخلي عن أفكارها الثقيلة والانفجار ضاحكة. مهما كان الحصن منيعاً، فهناك دائماً باب، ومن حين لآخر، يفتحه أولئك الذين يعيشون بداخله على مصراعيه ويدعون "جين" للدخول.

 * * * خرجت "جين" من فصل الرياضيات وهي تهز ياقة هوديها (سترتها) الأزرق المطبوع عليه شعار المدرسة. ورغم أننا في أكتوبر، إلا أن فلوريدا كانت لا تزال تتمسك بحرارة الصيف، والعرق يتصبب على ظهرها. الهودي الجديد، الذي كان مركوناً في الخزانة لفترة طويلة، لا تزال فيه رائحة الملابس الجديدة، لكنه كان مليئاً بالتجاعيد الواضحة.

بعد الغداء، كان معظم طلاب الصفين التاسع والعاشر يرتدون الهوديز؛ نتيجة حرب الطعام العنيفة. وبما أن المدرسة تسمح بالزي المدني، كان من النادر رؤية الجميع يرتدون نفس الملابس. أصرت "جوي" على تخليد الذكرى والتقاط الصور. أخيراً، أصبح الهودي المدرسي يستحق اسمه كزي رسمي.

بفضل تناول الغداء في الحصة الثالثة، كان طلاب الصفين الحادي عشر والثاني عشر يراقبون الطلاب الأصغر بفضول، وهم يهمسون بندم: "ليتنا كنا هناك أيضاً".

اضطرت "جين" والبقية لتفويت الحصة الخامسة. فبعد خطاب المدير الطويل، والوقت الذي استغرقوه للاغتسال وتغيير ملابسهم، لم يتبقَ من الحصة سوى دقيقة واحدة.

ومع ذلك، كان حالهم أفضل من "ديف ميلر"؛ فقد اضطر لتنظيف الكافيتريا مع العمال دون أن يحصل حتى على فرصة للاغتسال، لأن استفزازه كان السبب في الحادث. وبالرغم من أنه لم يُعاقب بالاحتجاز، إلا أنه سيمر بوقت عصيب بالتأكيد.

عندما وصلت للحصة السابعة، نظرت "جين" إلى بنطال الجينز وحذائها الأبيض الملطخين بالصلصات، وشعرت بعدم الارتياح. لقد غطت الجزء العلوي بهودي المدرسة، لكن لا حل للحذاء والبنطال. ربما كان مجرد خيال، لكن رائحة بقع الطعام مع الحرارة بدأت تصبح مزعجة بمرور الوقت. يبدو أن المعلمين شعروا بالشيء نفسه، فكانت تظهر على وجوههم علامات الانزعاج كلما دخل الطلاب بفصولهم وهم في تلك الحالة.

ابتسمت "جين" بهدوء وهي تتذكر تعابير المعلمين، ثم نظمت كتبها وأغلقت خزانتها. نفضت بنطالها الذي مسحته عشرات المرات، وتابعت طريقها.

كان هناك ضيف بالفعل في مختبر الكيمياء. فمنذ أن كسرت "جين" نصف الأواني الزجاجية، أصبح "باترفيلد" يأتي في الموعد وينظف دون نبس ببنت شفة. دخلت "جين" وألقت نظرة عليه كالعادة قبل أن تشيح بنظرها. كان "باترفيلد" يعاملها كأنها شبح، مستمراً في وضع الميزان الإلكتروني والموقد في المخزن بصمت.

وبصمت مماثل، بدأت "جين" غسل الكؤوس والدوارق الزجاجية وتجفيفها. وبفضل قيام "السيد روس" بتجديد المخزون، أصبح هناك الكثير لغسله. بعد فتح النافذة لتجفيف الأواني، وقفت "جين" تراقب فريق كرة القدم وهو يتمرن في الخارج.

لم يتبقَ شيء لفعله. في الواقع، انتهت مهمة التنظيف الموكلة إليهما؛ فالمهام المتبقية ككنس ومسح الأرضية كانت من مسؤولية عمال النظافة.

*(أشعر أنهم طلبوا منا التنظيف لنتقارب).*

بدلاً من الاحتجاز، جعلهم "السيد روس" ينظفون لمدة شهر. لكن بالنظر إلى سرعة انتهاء التنظيف، بدا وكأنه يحاول جعلهما صديقين بوضعهما في نفس المكان بدلاً من معاقبتهما حقاً. إذا كان الأمر كذلك، فقد فشلت خطة "السيد روس".

لسبب ما، "باترفيلد" الذي كان يسخر كلما رأى "جين"، توقف فجأة حتى عن النظر إليها. ومع انطفاء شرارة الرهانات والقيل والقال حولهما بسبب تراكم الامتحانات والواجبات، بدأ كلاهما يتجاهل الآخر طبيعياً.

انتهى انتظار "جين" أخيراً. جلست القرفصاء أمام خزانة التخزين، تتفحص نعومة الأواني الزجاجية بأطراف أصابعها؛ الكؤوس على اليمين، والدوارق على اليسار، والمخابير في الرف العلوي.

بينما كانت "جين" ترتب الأواني بعناية، سقط ظل خلفها. كان "باترفيلد" يرتب المحاليل على الرف الموجود فوق خزانة التخزين مباشرة. نظرت "جين" خلفها وفكرت؛ لقد انتهى من ترتيب المعدات، فكيف سيخرج؟

شعرت "جين" بالإحباط وهي جالسة القرفصاء بصمت، تنتظر "باترفيلد" لينتهي ويرحل. كان التحرك يميناً ويساراً للتسلل بعيداً عنه يشعرها بالإحراج كأنها تهرب.

*(لقد طلب مني التحرك، حسناً).*

قفزت "جين" واقفة والتفتت. لكن، وخلافاً لتوقعاتها، لم يبتعد "باترفيلد". بدلاً من ذلك، أمال رأسه بينما ظلت يده ممدودة فوق رأسها.

التقت الأعين؛ الأعين السوداء القاتمة التي لا تظهر بؤبؤها، والأعين التي تبدو وكأن فيها مجرات خضراء.

أخذ "باترفيلد" نفساً عميقاً في وسط الصمت.

"رائحة."

تمتم بصوت منخفض.

احمرّ وجه "جين" بشدة بينما كان هو يغطي فمه.

"#تعليقي

يمووت و يحرجها🫠



تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة