الفصل (1) سوء حظي هو أنني أحببتك - The Misfortune of Loving You,



## **الفصل الأول**

استيقظت "ديلنيا" على صدى طلقة ثانية.

في البداية، ظنت أن الأمر مجرد امتداد لكوابيسها، لكن وقع الخطوات الثقيلة التي تلت ذلك سرق منها ما تبقى من نعاس.

"ما الذي يحدث؟"

اندفعت ديلنيا من سريرها، وألقت وشاحاً أزرق فوق كتفيها كان مطوياً بعناية على المنضدة الجانبية. انسدل شعرها البلاتيني فوق الوشاح، يتطاير مع خطواتها المضطربة. أسرعت نحو النافذة، وأزاحت الستائر لتسترق النظر إلى الخارج.

عند البوابة الأمامية، كانت مجموعة من سكان قلعة "بيلفورت" يواجهون خطاً من الجنود. قطبت ديلنيا حاجبيها وهي تتفحص هؤلاء الدخلاء؛ ورغم صعوبة الرؤية من هذه المسافة، إلا أن زيهم العسكري كان واضحاً.

"لماذا يأتي الجنود إلى هنا........؟"

سرت قشعريرة من التوجس في عمودها الفقري. وفجأة، سمعت وقع خطوات مستعجلة خارج الغرفة. تصلب جسد ديلنيا والتفتت نحو الباب، وابيضت مفاصل يدها وهي تشد على وشاحها، ثم انفتح الباب بعنف.

"آنستي!"

"صوفي؟"

صوت المربية المألوف جعل أكتافها تسترخي قليلاً، فزفرت ديلنيا نفساً كانت تحبسه. لكن صوفي لم تمنحها لحظة للراحة، بل أمسكت بذراعها بقوة وإصرار غريبين على يدها التي كانت دائماً حنونة.

"يجب أن تغادري فوراً!"

"إلى أين؟"

"هيا، أسرعي!"

لم تجب صوفي على تساؤلاتها، بل بدا أنها لم تسمعها من الأساس. نظرت ديلنيا إلى نفسها وهي لا تزال بقميص النوم؛ لم يسبق لها أن غادرت غرفتها بهذا المظهر منذ أن كبرت، لكنها استسلمت وانقادت خلف صوفي. فالمربية التي نذرت حياتها لعائلة "إيبرن" لن تفعل أبداً ما يضرها.

تحركت قدمي ديلنيا بسرعة خلف صوفي، بينما كان هواء الرواق البارد يخترق قماش قميص نومها الخفيف. وصلت وهي لاهثة إلى سلم الحريق في الجانب الأيمن من الرواق، وفي تلك اللحظة دوى صوت تحطم هائل قادم من المدخل الرئيسي، وكأن شيئاً ضخماً قد سقط.

ارتبكت ديلنيا والتفتت للخلف، حيث تردد صدى خطوات تهرع صعوداً وهبوطاً في السلم المركزي.

"بسرعة يا آنستي!"

استحثتها صوفي وهي تلاحظ تباطؤ سرعتها. وبحلول الوقت الذي أعادت فيه ديلنيا تركيزها، كانت بالفعل تركض هبوطاً عبر السلالم، تقودها يد صوفي القوية.

تسارعت أنفاسها وارتفعت الحرارة في وجنتيها، لدرجة أنها لم تعد تشعر بوخز الهواء البارد على جلدها. في ممر مظلم، تحسست صوفي جداراً أصم بضع مرات، وسرعان ما انزاح الجدار بزاوية معينة، فدفعت صوفي ديلنيا عبر تلك الفجوة.

"هذا المكان هو........"

هاجمت أنفاسها رائحة العفن المنبعثة من مكان مغلق لم يفتحه أحد منذ زمن بعيد. كان الظلام دامساً، حتى ضوء القمر لم يجد طريقاً للتسلل، لكن ديلنيا عرفت المكان جيداً؛ إنه الممر السري الوحيد الذي يتيح لها الهروب من القلعة إن تعرضت حياتها للخطر.

تصلبت ملامح ديلنيا، وفجأة سطع ضوء حاد جعلها تغمض عينيها بشكل لا إرادي.

"يجب أن نذهب، يجب أن نرحل."

سحبتها صوفي مجدداً، وكانت قد أشعلت مصباحاً في الممر الطوارئ.

"أخبريني، ما الذي يحدث بحق الجحيم؟"

كررت ديلنيا السؤال وهي تُجر خلف مربيتها. لا يمكنها مغادرة القلعة دون أن تفهم ما يجري. صرخت بإحباط، لكن صوفي لم تجب. لاحظت ديلنيا بطرف عينها ارتجافاً طفيفاً في زوايا فم صوفي المجعد، وكأنها تكتم شيئاً ما؛ لم تكن صوفي مشغولة عن الإجابة، بل كانت تخفي الحقيقة عمداً.

توقفت ديلنيا فجأة، وتوقفت صوفي معها بسبب الثقل المفاجئ خلفها. التفتت المربية بوجه حائر: "آنستي، هيا......."

"أخبريني يا صوفي."

أمرتها ديلنيا بصوت حازم. لن تتحرك خطوة واحدة دون تفسير. وصوفي، التي عرفت ديلنيا منذ ولادتها، أدركت أن هذا الوجه يعني عناداً لا يمكن كسره.

قالت صوفي بنبرة يسودها الاستسلام: "حسناً.. الكونت........"

تجمد وجه ديلنيا. والدها، الكونت إيبرن، كان ابناً ثانياً لعائلة نبيلة وصهراً لعائلة أخرى، لذا كان بعض سكان "بيلفورت" التقليديين ينظرون للكونتيسة، لا للكونت، على أنها السيدة الحقيقية. وصوفي كانت منهم. لكن لا أحد، حتى صوفي، كان يجرؤ على مناداته بغير لقبه احتراماً.. إلى الآن.

"لقد.. لقد ثبت تورطه مع القراصنة......."

".......... ماذا؟"

"لهذا السبب جاءت البحرية في منتصف الليل لاعتقال كل آل إيبرن!"

أغمضت ديلنيا عينيها بشدة. شعرت بدوار وكأن صدمة عنيفة قد أصابتها. والدها يعمل مع القراصنة؟ كيف؟ ولماذا؟ شعرت بالغثيان أمام هذه الفرضية غير المقبولة، لكنها كانت تعلم أن عليها التماسك. مسحت جبينها المتألم وسألت:

"وأمي؟"

"ماريان تقول إنها لا تجد سبباً يمنعكِ من التصرف ككونتيسة لإيبرن.........."

عضت صوفي على شفتها ولم تكمل الجملة، وكأنها تحبس دموعاً توشك على الانفجار.

لم تكن ديلنيا حمقاء لتجهل معنى ذلك. التفتت بعزم وكأنها لا تحتاج لسماع المزيد: "سأعود."

"سيدتي!"

"أنا الوحيدة من سلالة إيبرن المسؤولة عن هذا المكان، ولا يمكنني الهرب هكذا."

"لا.. ماريان أمرتني بإخراجكِ بسلام، أرجوكِ يا آنستي."

توسلت صوفي وهي تتشبث بديلنيا التي حاولت العودة من حيث أتت. لكن سيدتها الصغيرة، كعادتها، لا تتراجع عن قرار اتخذته. وبينما كان الشجار مستمراً، ظهر في نهاية الممر المظلم، حيث لا يصل ضوء المصباح، بصيص ضوء صغير يتأرجح كأنه حشرة مضيئة.

في البداية ظنت أنه وهم، لكن الضوء بدأ يكبر ويزداد وضوحاً.

"أوه، من هناك........؟"

استنفرت صوفي وسحبت ديلنيا إلى حضنها، وكان رعبها ملموساً. هذا الممر لا يعرفه إلا المقربون جداً من عائلة إيبرن، لذا كان من المفترض أن القادم هو أحد سكان القلعة، لكن الموقف الاستثنائي شلّ تفكير صوفي.

انتصبت ديلنيا في وقفتها، ووضعت يدها فوق يد صوفي المرتجفة، ولم تشح بنظرها عن الضوء المقترب. وكما علمتها والدتها: "كلما زاد خوفكِ، وجب أن تزداد عزيمتكِ".

كانت الخطوات تقترب بثبات؛ إيقاع هادئ، ليس مستعجلاً ولا متمهلاً، وكأن صاحبها قادم لاستعادة صيد وقع بالفعل في الفخ.

خرجت من فم ديلنيا أنفاس لاهثة كغزال أصيب بالتواء في كاحله.

"هل تفكرين في الهروب؟"

اخترق ذلك الصوت العميق والقاسي طبلة أذنها كالسهم. اتسعت عينا ديلنيا رغماً عنها. مستحيل.. مستحيل.

بؤبؤا عينيها اللذان كانا ثابتين منذ لحظات، بدآ يهتزان كشمعة في مهب الريح. رمشت بعينيها مراراً وهي تحاول رسم ملامح الرجل المقترب.

زي عسكري أبيض ناصع، وسام على درع صدره؛ سيف يتقاطع مع مرساة، يحيط بهما إكليل من ورق الغار. وشعر أكثر سواداً من الليل، وعينان أكثر زرقة من البحيرة.

"روان........"

عرفته ديلنيا من النظرة الأولى. لم تره منذ عشر سنوات، لكن من المستحيل ألا تعرفه.

"ماذا؟ إذا كان هذا روان........"

رفعت صوفي رأسها وهي تلاحظ الذعر في صوت ديلنيا. وجهها الذي كان يشوبه الخوف أشرق فجأة بالفرح والبهجة، وكأنها وجدت يداً ممتدة لإنقاذها من حافة الهاوية.

"يا إلهي، روان! إنه أنت حقاً!"

نادته صوفي بودّ، وكأنه لا يزال ذلك الفتى الذي يسكن الجوار. لم تكن مخطئة؛ فقد عاش روان يوماً في قلعة بيلفورت كخادم ديلنيا المفضل.

لكن ديلنيا لم تستطع الترحيب به كما فعلت صوفي. لم تستطع افتراض أنه جاء لإنقاذهم.

لأنه كان........

"لقد كبرتِ كثيراً."

بينما كانت ديلنيا تحدق فيه بارتباك، لم تستطع صوفي كبح حماسها ومدت يدها لتلمسه..

وفي تلك اللحظة، استلّ روان سيفه.

**

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة