الفصل (27) القفزة
## ****
"..."
ابتسمت ميا جرانت. اتضح أن الناس يضحكون حقاً عندما يعجزون تماماً عن الكلام، تماماً كما حدث لها الآن.
*(ماذا قصد بقوله إنه سيساعدني في القرار؟ يا له من أمر مضحك! الإكراه لا يمكن أن يكون أكثر وضوحاً من ذلك يا صديقي. حسناً، حسناً.. هكذا سنلعبها إذاً؟)*
"ماذا تريد إذاً يا أخي؟"
"ميا تعرف جيداً ما أريده." كانت أطراف أصابعه تداعب المكان فوق قلبها.
أمالت ميا رأسها للخلف ومنحته ابتسامة حلوة: "إذاً، ما تريده هو طائر صغير مطيع يمكنك قفله، والإعجاب به، ومداعبته بمفردك. أليس كذلك يا أخي؟"
تلاشى الشعور الخفيف والوخز فوق قلبها. توقفت أطراف أصابعه فجأة بجانب الحزام الرقيق لفستانها. لمسة لطيفة واحدة منه كانت كافية لفتحه، والسماح له بأخذ المزيد.
مر الوقت، وساد الصمت في المقعد الخلفي. لم يقم سيلوس جرانت بخطوته التالية بعد. كانت نظرة ميا جرانت بريئة ونقية، حدقت فيه لفترة طويلة قبل أن تمد يدها لتمسك بوجهه: "أخي، أعلم أنك تحبني كثيراً.. وأنا أحبك أيضاً".
ارتجفت عينا الرجل المظلمتان خلف نظارته بعنف.
ابتسمت ميا: "لن أنسى أبداً اليوم الذي أخرجتني فيه من ذلك القبو. أنا خائفة جداً من البقاء وحدي، ومرعوبة من الظلام. أعلم أن الذهاب معك هو الخيار الأكثر أماناً وضماناً. لكني لا أريد قضاء حياتي كلها هكذا، كشخص لا يستطيع رؤية ضوء النهار".
"إذا كان الأمر كذلك، فبالنسبة لي، لا يختلف الأمر عن كوني في ذلك القبو، أو في تلك الغرفة في زاوية السفينة السياحية. إذا كان لابد أن يكون الأمر كذلك، فلا أعرف ما إذا كنت سأنتهي بارتكاب نفس الخطأ مرة أخرى."
"منذ أن عدتُ، لم تسألني ولو لمرة واحدة لماذا اخترت القفز في المحيط ذلك اليوم، أو لماذا لم أعد لفترة طويلة... أنا أفهم، شخص ذكي مثلك لابد أنه يعرف السبب يا أخي."
وكأنها تقلد لفتته السابقة، داعبت وجنته برفق، ممسكة بنظراته بصمت، محاولة التأثير على حبيبها شيئاً فشيئاً: "إذاً، الاختيار لا يجب أن يكون 'إما هذا أو ذاك'، أليس كذلك يا أخي؟"
النظام: [المضيفة، ما هذا النوع من الاستراتيجيات الجديدة؟]
ميا: "أنا أراهن على ما إذا كان لا يزال بشراً".
النظام: [؟]
ميا: "إذا كان لديه ذرة من الإنسانية، فلن يأخذني بعيداً".
كانت ميا جرانت تغامر؛ فقيمة "السواد" لدى سيلوس كانت عالية جداً لدرجة أن الاستعطاف القلبي قد لا ينجح معه لأنه بلا قلب تماماً، لكنها أرادت المحاولة بدلاً من تمثيل الإغماء وتقيؤ الدم مرة أخرى.
اهتزت عينا الرجل. *(نعم، لم أصدق أبداً أنها ماتت حقاً. ما قلته لكيان كيلر سابقاً كان فقط لجعله يخفف من حذره... كيف يمكن لحياة نابضة كهذه أن تموت في لحظة؟ كانت خجولة جداً، تخاف الظلام والماء وكل شيء... لكنها قفزت حقاً من السفينة أمام عينيّ. حتى أنها نظرت إليّ لمرة أخيرة قبل أن تقفز، مبتسمة بارتياح).*
في أحلام سيلوس، كانت ميا تجلس بجانب النافذة، وشعرها يتطاير بعنف مع نسيم البحر، وتنظر إليه بابتسامة عريضة وتقول: "سيلوس جرانت، لم تتح لي الفرصة لإخبارك من قبل.. أنا أكرهك. أكره عائلة جرانت، أكره والديك، وأختك، أكره كل ما يتعلق بكم!".
كانت تقول في الحلم: "كنت تعلم أن والديك لا يحبانني، لكنك أخبرتهما أنك تخطط لأخذي بعيداً، وتركتهما يصرخان في وجهي ويضربانني. كنت تعلم أنني خائفة، لكنك كنت ستحبسني من أجل أختك". ثم كانت تفتح ذراعيها للبحر وتقول: "لن نرى بعضنا أبداً على أي حال، لذا سأخبرك سراً آخر.. أنا لا أنتمي لهنا على الإطلاق. والآن، أنا ذاهبة لمنزلي~" ثم تقفز.
لم يستطع سيلوس التمييز بين الحلم والواقع. الحقيقة التي لا تتغير هي أنها عندما قفزت، كانت تريد الرحيل حقاً. وسبب عدم سؤاله عن السبب هو أنه كان يعرفه طوال الوقت. *(هل كان ذلك تجنباً؟ لا مبالاة؟ أم ربما... ذنباً...)*.
أراد أن يأخذها بعيداً لمكان لا يجدها فيه أحد، لكنه نسي أن الأرنب الذي يربيه لا يناسبه القفص؛ فعندما تُحاصر، لا تعض الآخرين، بل تؤذي نفسها فقط.
تلصصت ميا على قيمة "سواد" سيلوس، وعلمت أنها نجحت؛ لقد هُزم الرجل. تنفست الصعداء سراً، وطلبت من النظام مساعدتها لتبدو هزيلة وضعيفة في الوقت المناسب.
شعرت بالمرض فوراً، وسعلت بضع مرات وارتمت بضعف في أحضان سيلوس: "أخي، لقد تبللتُ بالمطر الليلة. رأسي ثقيل قليلاً، وأريد الراحة قريباً". *(تحلَّ ببعض الذوق أيها المتحجر، أريد العودة لسكني والنوم!)*.
في النهاية، لم تعد ميا للمدرسة، بل أخذها سيلوس لقصر "جينسيا" لتقضي الليلة هناك، ووعدها بإعادتها للمدرسة صباحاً. في منتصف الليل، استيقظت ميا وهي تشعر بالعطش، وكان رأسها يدور. عندما حاولت النهوض، خانتها ساقاها وكأنها عجينة.
ميا: "أيها النظام اللعين، هذا يكفي، توقف! كان ذلك مجرد تمثيل أمام سيلوس".
النظام: [ليس أنا هذه المرة يا مضيفة].
ميا: "إذاً لماذا رأسي يدور هكذا؟"
النظام: [لأنكِ مصابة بالحمى من المطر. ألا تشعرين بحرارة وجنتيكِ؟]
لمست ميا وجهها وجبينها: "أظن أنه حار قليلاً". كانت أطرافها ضعيفة، فحاولت النهوض ثم استسلمت وارتمت على السرير والتفت بالبطانية وتمتمت: "انسَ الأمر.. لن أشرب".
النظام: [مضيفة، درجة حرارة جسدك غير طبيعية!].
كانت ميا غارقة في النعاس، فأغمضت عينيها وردت بخمول: "لا يهم. العيش جميل، لكن الموت لا بأس به أيضاً".
النظام: [... إذا متِّ حقاً، فلن تحصلي على مكافأتكِ!].
بعد ثوانٍ، أجبرت ميا نفسها على الإمساك بهاتفها، وفتحت عينيها بصعوبة، وبدافع الغريزة المحضة، طلبت رقماً...
**

تعليقات
إرسال تعليق