الفصل (26) لن يزعجنا أحد بعد الآن
## ****
كانا يتبادلان عناقاً ضيقاً، ظهرها ملتصق بصدره. استطاعت ميا جرانت أن تشعر بوضوح بتنفسه الثقيل. فتحت عينيها، وفيهما لمحة من الارتباك، وراقبت تعبيرات وجهه.
*(هل حدث خطأ ما؟)*
لقد حدث الكثير الليلة لدرجة أن عقلها شعر وكأنه يسخن من الجهد. وبينما كان تمثيلها مستمراً، كان ذهنها لا يزال متأخراً في الاستيعاب.
خلفها، ضاقت عينا الرجل المظلمتان خلف نظارته. اختفت العاطفة الرقيقة التي كانت موجودة قبل لحظات، وحلت محلها عاصفة معقدة من المشاعر التي تصاعدت وتكثفت طبقة فوق أخرى، حتى لم تعد قادرة على فك شفرتها على الإطلاق.
كانت نظرته لا تزال مثبتة عليها، لكنه لم يكن ينظر في عينيها. أصبح تنفس سيلوس جرانت ثقيلاً، وبعد لحظة طويلة، ارتفع صدره مع نفس عميق.
*(هل هو... غاضب؟)*
كانت ميا جرانت في حيرة من أمرها. *(ألن نقبل بعضنا بعد الآن؟.. مثالي).* كانت تلك الوقفة كافية لإخراجها من الضباب المربك لتلك اللحظة. تحررت من قبضته، وأدارت رأسها بعيداً وسألت:
"أخي، ماذا قصدت قبل قليل عندما قلت إنك لن تدعهم يظهرون أمامي مرة أخرى؟"
*(إذا لم نكن سنتبادل القبل، فلنعد إلى العمل).*
بدا سيلوس جرانت وكأنه لم يسمعها، فكان اهتمامه لا يزال منصباً بالكامل على شفتيها وهما تفتحان وتغلقان. أو بشكل أدق، على طرف لسانها.
بينما كانت تتحدث، كان لسانها يتحرك، يضغط على شفتها، ثم يمر بأسنانها، ويظهر ويختفي من أمام نظره. لقد عضها الشخص الآخر بقوة؛ ورغم الضوء الخافت في المقعد الخلفي، كانت علامة الدم على طرف لسانها لا تزال واضحة ومؤلمة له. كان من المستحيل عدم ملاحظتها.
لقد كان جرحاً جديداً. كان يعلم أن كيان كيلر غادر المدرسة منذ وقت ليس ببعيد، وأنهما افترقا للتو... ظن أنه مستعد نفسياً، لكن رؤية هذا الأثر الحميم بعينيه منعت عقله من التوقف عن استحضار المزيد من الصور.
بشخصيتها، ربما لم تكن لتقاوم كيان كيلر. كانت ستفعل كل ما يطلبه منها. كانت ستفتح فمها له بطاعة، وتسمح له بفتح شفتيها وأسنانها، ولن تعرف حتى كيف تقاوم عندما يقبلها حتى ينقطع نفسها.
لا بد أن كيان كيلر مغرم بها تماماً؛ وإلا، فبمزاجه الزاهد الذي يشبه الرهبان، لم يكن ليقبلها ويعضها بعمق هكذا... تخيل أنها، لكونها غير مدركة لأمور العالم ولم يسبق لها تجربة مثل هذه الأشياء، ربما استجابت غريزياً، وفقدت نفسها في قبلة كيان كيلر.
في منتصف جملتها، شعرت ميا جرانت بلمسة باردة على شفتيها. كانت أصابع الرجل تضغط وتفرك عليهما مراراً. نعم، ليس مسحاً ولا مداعبة، بل فركاً (طحناً)، كما لو كان يحاول مسح علامة قبيحة.
خفق قلب ميا جرانت وسادت الصدمة وجهها. وقبل أن تتمكن من الرد، فُتحت شفتيها المغلقة بواسطة إصبعه. وفي الثانية التالية، انطلق ألم حاد عبر طرف لسانها—
"هسس!"
أيقظ الألم عقلها، وتذكرت ميا على الفور جرح عضة فليكس سنكلير. بدأ الجرح ينزف من جديد، وانتشر طعم الدم المعدني. قاومت ميا غريزياً، محاولة دفع إصبعه القاسي. وبسبب المفاجأة، تمكنت من الابتعاد بسهولة.
تجمدت في مكانها، قبل أن يستقر وزن مفاجئ على رقبتها. التف ذراع الرجل حول عنقها من الخلف، محكماً قبضته عليها. ومع ميل رأسها قليلاً، تلاقت أنفاسهما المضطربة، وعض على شفتها.
كان الأمر وكأن سيلوس جرانت ينتظر هذه اللحظة تحديداً؛ ينتظرها لتقدم نفسها له. في الماضي، عندما كان الغرباء يصفونه، كانوا يحبون استخدام كلمة "جنتلمان". لكن في هذه اللحظة، مزق بنفسه قناعه المنافق.
الثعلب، كحيوان بري، يولد بحس قوي بالحفاظ على الذات والملكية. وهكذا، حاول بإصرار وهوس محو العلامات التي تركها الدخلاء الآخرون على أرضه، وطردهم برائحته الخاصة. عض بقوة، مغطياً الآثار الصارخة الأخرى، تاركاً على فريسته التي يطمع بها علامة تخصه هو وحده.
كانت السيارة لا تزال تتحرك، على وشك مغادرة حدود مدينة جينسيا. ولأجل السلامة، لن يخاطر سيلوس بركوب طائرة من جينسيا.
عادت ميا لوعيها ببطء. كانت ساقاها تلامسان نافذة السيارة، وأرسل الزجاج البارد قشعريرة في جسدها. كانت لا تزال تجلس في حضن سيلوس جرانت. وكان الرجل المستكين يريح رأسه على كتفها، وأصابعه تداعب شعرها الطويل خصلة خصلة.
شعرها الذي لم يجد وقتاً لتجفيفه بعد الاستحمام أصبح الآن جافاً تماماً، باستثناء غرتها التي كانت رطبة قليلاً بفعل العرق والجو الحار المكتوم.
"أخي، إلى أين نحن ذاهبون؟"
بدأت ميا تشعر بالنعاس. *(هذا هو الوقت المثالي للتفاوض. إذا استمر هذا لفترة أطول، سأنام حقاً، وعندما أستيقظ، سنكون في بورتيا!)*. بمجرد وصولها لمنطقة سيلوس، ستكون العودة مستحيلة.
في البداية ظنت أن الذهاب معه أمن، لكنها الآن ترى أن البقاء في جينسيا أضمن؛ فالأبطال هنا ويمكنهم مراقبة بعضهم البعض، مما يعطيها مساحة للتنفس.
كان سيلوس في حالة مزاجية جيدة، وأصبح صوته رقيقاً كما كان في البداية: "إلى بورتيا. من الآن فصاعداً، ستبقين مع أخيكِ، ولن يزعجنا أحد".
*(تماماً كما ظننت).*
"أريد البقاء في جينسيا."
كما هو متوقع، سكنت اليد التي تدعم رأسها. كانت ميا تجلس بشكل جانبي في حضنه، مما جعل الكلام أسهل. رفعت رأسها، وعيناها مخلصتان ومشوبتان بالتوسل: "أخي، لقد بدأت الدراسة بالفعل".
"سأرتب كل شيء بمجرد وصولنا لبورتيا."
هزت ميا رأسها قائلة إن الأمر ليس نفسه: "لقد كونتُ أصدقاء في جامعة جينسيا. أنت تعلم... لم يكن لدي أصدقاء من قبل. في السابق، كان الجميع ينادونني بالوريثة المزيفة، ظنوا أنني سرقت هوية أختي. أنا الآن فقط أبدأ بالتعرف على الناس... لا أريد الانتقال فجأة لمكان غريب جديد..."
قلدت سلوكها السابق محاولة التظاهر باللطف، وأمسكت بطرف قميصه وجذبته برفق: "أخي، لا تقلق. سأعمل بجد في المستقبل وأحاول المجيء لبورتيا من أجل الدراسات العليا".
لم يغضب سيلوس جرانت، كان لا يزال يبتسم، لكن عينيه حملتا نظرة استحواذ مطلق وهو يداعب وجهها: "ولكن ماذا يمكننا أن نفعل؟ أخوكِ لا يستطيع الانتظار كل هذا الوقت".
"أنا..."
"عزيزتي، الحياة لا تقدم الكثير من الحلول المثالية. في معظم الأوقات، عندما يواجه الناس اختياراً، يمكنهم فقط اتخاذ القرار الحكيم للحظة الحالية. يمكنكِ اختيار واحد فقط: هل تريدين البقاء في جينسيا، أم تريدين أخاكِ؟"
"..."
كان يخبرها أنها لا تستطيع الحصول على كل شيء. ومهما كان سبب رغبتها في البقاء — كيان كيلر؟ أو دراستها؟ — لم يعد ذلك يهمه. لم يكن يريد أن يعرف. بين كل تلك الأشياء وبينه، كان عليها أن تختار اليوم.
قبل سيلوس شعرها: "إذا وجدتِ هذا الاختيار صعباً للغاية، فأخوكِ لا يمانع في اتخاذ القرار نيابة عنكِ".
**📢✨
يعني بعد كل دا و تقولوا اخي 😑😵💫

تعليقات
إرسال تعليق